فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 68

ذكرنا، فاقتضت الحكمة الإلهيَّة أنْ تكون آيته الكبرى معنويَّةً باقية على وجْه الدهر ما بقي إنسانٌ ذو فكرٍ على وجْه الأرض.

وقد أراد الله - سبحانه - أنْ يجمع الفضْل من أطْرافه لخاتم رُسُلِه، وحامِل لواء الشريعة الباقية الخالدة، فأعطاه معجزات أخرى حسيَّة فضلًا عن مُعجِزته الكُبرى المعنوية، فكان له من المعجزات الحسيَّة مثلُ ما لغيره، بل وأزْيَد، وذلك فضْل الله يُؤتِيه مَن يَشاء، والله ذو الفضل العظيم.

وحكمةٌ أخرى وراءَ ذلك هي: أنَّ الناس ليسوا سَواء في الإدراك والتفكير وسموِّ الفطرة، فمنهم مَن يَقِفُ عند المحسوس ولا يَسْمُو نظرُه إلى المعقول، ومنهم مَن لا يقتنع لمحسوسٍ، وإنما يقتنع بالمعنويِّ المعقول، فاقتضَتْ حِكمة الله - عزَّ شأنه - أنْ تكون معجزات خاتم أنبيائه بعضها حسي وبعضها معنوي.

وقد ذكَر أئمَّة التفسير في قوله - تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253] ، أنَّ المراد بِمَن رفَعَه الله درجات سيِّدنا محمد.

قال الإمام الزمخشري في تفسيره"الكشاف"عند هذه الآية:"أي: ومنهم مَن رفَعَه على سائر الأنبياء فكان - بعد تفاوُتهم في الفَضْلِ - أفضلَ مهم بدرجاتٍ كثيرة، والظاهر أنَّه أراد محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأنَّه هو الفاضل عليهم حيث أُوتِي ما لم يُؤتَ أحدٌ من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألْف آية أو أكثر، ولو لم يُؤتَ إلا القرآن وحدَه لكفى به فضلًا منيفًا على سائر ما أُوتِي الأنبياء؛ لأنَّه المعجزة الباقية على وجْه الدَّهر دُون سائر المعجزات، وفي هذا الإبهامِ من تفخيم فضْله وإعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنَّه العَلَمُ الذي لا يشتبه، والمتميِّز الذي لا يلتبس، ويُقال للرجل: مَن فعل هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم، يريد الذي تُعُورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح، وأنوه بصاحبه، وسُئِلَ الحطيئة عن أشعَرِ الناس فقال: زهير والنابغة، ثم قال: لو شِئتُ لذكرتُ الثالث، أراد نفسَه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي لم يفخم أمره" [1] ، وذكَر غيره من المفسِّرين نحوًا من ذلك.

(1) انظر:"تفسير الكشاف"عند هذه الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت