فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 68

وحدته إلى الكمال عن طريق الخير والفضل والجمال والحق في مغالبتها وتغلُّبها على الشر والنقص، والقبح والباطل، بفضلٍ من الله ومغفرة.

وليس بمستطيعٍ هذا السُّمو إلا قوَّة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانيَّة، فإذا جاء بعد ذلك ممَّن اتَّبعوا محمدًا من عجز عن متابعته في سموِّ فكرته، وقوَّة إحاطته بوحدة الكون في كَماله، وفي جِهاده لِبُلوغ هذا الكمال فلا عجب في ذلك ولا عيب فيه" [1] ."

وفكرة وحدة الوجود فكرةٌ خاطئةٌ وافدةٌ إلى الإسلام فيما وفَد إليه من آراءٍ فاسدة، وهي من مخلَّفات الفلسفات القديمة، وقد انتصر لها وتشيَّع بعض المتصوِّفة الذين ينتسبون إلى الإسلام، وكتبوا فيها فكان عاقبتهم الإلحاد في الله وصِفاته.

وقد أبانَ بُطلانها كثيرٌ من عُلَماء الأمَّة الراسخين في العلم، المتثبِّتين في العقيدة، والقول بها يُؤدِّي إلى القول بالطبيعة، وقِدَم العالم وإنكار الألوهيَّة، وهدْم الشرائع السماويَّة التي قامت على أساس التفرقة بين الخالق والمخلوق، وبين وجود الرب ووجود العبد، وتكليف الخالق للخلق بما يُحقِّق لهم السعادة، ومُقتَضى هذا المذهب أنَّ الوجود واحد، فليس هناك خالق ومخلوق، ولا عابدٌ ومعبود، ولا قديم وحادث، وعابدو الأصنام والكواكب والحيوانات حين عبَدُوها إنما عبدوا الحق؛ لأنَّ وجودها هو وجود الحق، إلى آخر خُرافاتهم التي ضلُّوا بسببها وأضلُّوا غيرهم، والتي أضرَّت بالمسلمين وجعلتهم شِيَعًا وأحزابًا، ولقد بلغ بعضهم أنَّه قال: إنَّ النصارى ضلُّوا لأنهم اقتصروا على عبادة ثلاثة ولو أنهم عبَدُوا الوجود كلَّه لكانوا راشدين؟ وقال بعض المعتنقين لهذه الفكرة الفاسدة:

الْعَبْدُ حَقٌّ وَالرَّبُّ حَقٌّ = يَا لَيْتَ شِعْرِي مَنِ الْمُكَلَّفْ؟

إِنْ قُلْتَ: عَبْدٌ، فَذَاكَ مَيْتٌ = أَوْ قُلْتَ: رَبٌّ أَنَّى يُكَلَّفْ؟!

قال العلامة تقي الدين أحمد بن تيميَّة الحرَّاني في كتابه"الرد على المنطقيين" [2] بعد أنْ ذكَر الفَناء المحمود، والفناء المذموم:"ولهذا لما سلَك ابن عربي وابن سبعين وغيرُهما هذه الطرق الفاسدة أورثهم ذلك"الفناء عن وجود السوى"، فجعلوا الموجود واحدًا ووجود كلِّ مخلوق هو عين وجود الحق، وحقيقة الفناء عندهم: ألاَّ يرى إلا الحق، وهو الرائي والمرئي، والعابد والمعبود، والذاكر"

(1) "حياة محمد": ص 189، ط الثانية.

(2) ص 521، ط الهند.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت