فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 68

والمذكور، والناكح والمنكوح، والآمِر الخالق هو المأمور المخلوق، وهو المتَّصف بكلِّ ما يُوصَف به الوجود من مدحٍ وذم، وعبَّاد الأصنام ما عبدوا غيره، وما ثَمَّ موجود مُغايِر له البتَّة عندهم، وهذا منتهى سُلوك هؤلاء الملحِدين.

وأكثر هؤلاء الملاحدة والقائِلين بوحدة الوجود يقولون: إنَّ فرعون أكمَلُ من موسى، وأنَّ فرعون صادقٌ في قوله: أنا ربُّكم الأعلى؛ لأنَّ الوجود فاضل ومفضول، والفاضل يستحقُّ أنْ يكون ربَّ المفضول، ومنهم مَن يقول: مات مؤمنًا، وأنَّ تغريقه كان ليغتسل غُسل الإسلام"."

وهكذا نرى أنَّ هذه العقيدة الزائفة تُصادِم نصوصَ الدين القطعيَّة، ولا تُوافِق شيئًا من الكتاب والسُّنَّة النبوية، وأنَّ العقيدة الإسلاميَّة السمحة براءٌ من مذهب وحدة الوجود.

وتفسير الإسراء والمعراج بهذه الفِكرة يقتَضِى إنكارهما على حسَب ما جاء به القُرآن والسنَّة الصحيحة المشهورة، فليس هناك إسراءٌ حقيقةً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بذات النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وليس هناك عُروجٌ بالنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - من بيت المقدس إلى السماوات السبع، ولا صلاة بالأنبياء ولا لقاء، ولا تسليم ولا تكليم.

وما الداعي إلى ذلك ما دام الكون كله قد اجتمع في روح النبي كما قال صاحب هذا الرأي، فالمسجد الحرام والأقصى في روحه، والسماوات وما فيهن في روحه!

ثم ما الداعي إلى كلِّ هذا التكلُّف والإغراب من الدكتور هيكل - رحمه الله - في فهْم نُصوصٍ صريحة جاءَتْ بلسانٍ عربي مبين.

والإسراء والمعراج كما جاء بهما القُرآن والأحاديث الصحيحة أقرب مَنالًا وأشدُّ استِساغةً لعقول الناس لهما ممَّا ذهب إليه.

ولو جلست زمانًا لتُفهِّم رجلًا أميًّا أو متعلمًا بالإسراء والمعراج على ما رأى الدكتور ما أنت بمستطيعٍ إفهامه هذه الألغاز والطلاسم التي حاوَل بها إحداثَ رأيٍ جديد لا يُدرَى سبق إليه أم لا؟

وهل تصويرُ الإسراء والمعراج بهذا التصوير إلاَّ إشكالٌ على عُقول الكثْرة من الناس، ومخاطبة لهم بما لا تبلغه عقولهم ومَداركهم، وقد أُمِرنا أنْ نحدِّث الناس بما يعقلون وأن نَدَعَ ما يُنكِرون، وفي الحكم الذهبيَّة عن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه:"ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت