جمهور العُلَماء من السَّلَفِ والخلَف على أنهما كانا في ليلةٍ واحدة، وأنهما كانا بجسده ورُوحه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهذا هو الذي يدلُّ عليه قوله - تعالى - في مفتتح سورة الإسراء السابقة {بعبده} وليس ذلك إلا الرُّوح والجسد.
وقد توارَدتْ على ذلك الأخبارُ الصحيحةُ المتكاثرة والنُّصوص على ظَواهِرها ما لم يقمْ دليلٌ على صَرفِها عن ظاهرها، وأنَّى هو؟!
وفي الأحاديث الصحيحة أنَّه شُقَّ صَدرُه الشريف، وركب البراق وعُرِجَ به إلى السماء، ولاقَى الأنبياء، وفُرِضت عليه الصَّلوات الخمس وأنَّ الله كلَّمَه، وأنَّه صارَ يرجع بين موسى - عليه السلام - وبين ربِّه - عزَّ وجلَّ - ممَّا يُؤكِّد أنهما كانا بجسده الشريف ورُوحه، وينفي ما عدا ذلك.
وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنهما كانا بروحه - عليه الصلاة والسلام - ونُسِبَ القولُ به إلى السيدة عائشة والسيد معاوية - رضي الله عنهما - وذكَرُوا في هذا أنَّه رُوِي عن السيدة عائشة أنها قالت:"ما فقدت [1] جسد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولكنْ أُسرِي بروحه"، وهو حديثٌ غير ثابتٍ، وهَّنَه القاضي عِياض في"الشفا"سندًا ومتنًا، وحكم عليه الحافظ ابن دحية بالوضْع.
وممَّا يضعف هذا الأثر ويردُّه أنَّ السيدة عائشة - رضي الله عنها - لم تكنْ حينئذٍ قد دخَل بها رسولُ الله، فإنَّ من المتَّفَقِ عليه أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يَبْنِ بها إلا بعدَ الهجرة، وإنْ خطَبَها قبلها بسنة، وقيل: بسنتين.
وممَّا يردُّ ما نُسِبَ إلى عائشة أيضًا أنَّ الثابت عنها أنها كانت تُنكِر على مَن يقول: إنَّ محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى ربَّه ليلة المعراج، وتستدلُّ بآياتٍ من الكتاب على حسَب اجتهادها وفهمها، فلو كانت ترى هذا الرأي الذي نسَبُوه إليها زورًا لكان أقرب شيءٍ في ردِّها على مَن يقول بالرؤية أنْ تحتجَّ عليهم بأنَّ المعراج لم يكن بجسده، ولكن لم ينقل عنها أنها احتجَّت بذلك،
(1) رُوِيَ"فقدت"مبنيًّا للمعلوم ورُوِي"فُقِدَ"مبنيًّا للمجهول.