وأمَّا الأحاديث فسنُشِير إليها فيما بعدُ.
وأمَّا المعراج فهو ثابتٌ بالأحاديث الصحيحة التي رَواها الثقات العُدول وتلقَّتها الأمَّة بالقبول، ولو لم يكن إلا اتِّفاق صاحبي الصحيحين: البخاري ومسلم، على تخريجها في صحيحَيْهما لكفى، فما بالك وقد خرَّجها غيرُهما من أصحاب كتب الحديث المعتمَدة وكتب السير المشهورة.
ويرى بعضُ العلماء أنَّ المعراج وإنْ لم يثبُتْ بالقرآن صَراحةً ولكنَّه أُشِيرَ إليه في سورة النجم في قوله - تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 13 - 18] .
فقد رُوِيَ عن ابن مسعود والسيدة عائشة - رضي الله عنهما - أنَّ المرئيَّ هو جبريل [1] ، رآه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على هيئته التي خُلِقَ عليها ولم يَرَهُ على هذه الحالة إلا مرَّتين:
الأولى: وهو نازلٌ من غار حراء، والثانية ليلةَ المعراج قال العلامة ابن كثير في"تفسيره" [2] ما خُلاصته مع التوضيح: وقد رأى النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - جبريل - عليه السلام - على صُورته التي خلَقَه الله فيها مرَّتين: الأولى عقب فترة الوحي، والنبيُّ نازلٌ من غار حراء فرآه على صورته له ستمائة جناح، قد سَدَّ عظم خلفه الأفق، فاقترب منه وأوحى إليه عن الله - عزَّ وجلَّ - ما أوحى، وإليه أشار الله بقوله: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [3] [النجم: 5 - 10] .
والثانية: ليلة الإسراء والمعراج عند سِدرة المنتهى، وهي المشار إليها في هذه السورة - النجم - بقوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم: 13 - 14] .
(1) ورُوِيَ عن ابن عباس أنَّ المرئي هو الله - سبحانه وتعالى - والأوَّل هو الصحيح المعتمد، وعلى رأي ابن عباس فالآية دالَّة أيضًا على المعراج؛ لأنَّه يرى أنَّ ذلك كان ليلة المعراج.
(2) تفسير ابن كثير والبغوي: ج 8 ص 96 وما بعدها ط المنار.
(3) الضمير في قوله"فأوحى"عائدٌ على جبريل وهو الظاهر المقبول؛ لأنَّه المتحدَّث عنه، وقيل: عائدٌ على الحق - تبارك وتعالى - وهو بعيدٌ مردود؛ لما فيه من تفكيك النَّظم الكريم، وأمَّا الضمير في"عبده"فهو راجعٌ إلي الله - سبحانه - فحسب؛ أي: فأوحي جبريل إلى عبد الله محمَّد ما أوحى، أو فأوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى بواسطة جبريل.