قيل: إنَّ الحكمة في فرْض الصلاة ليلةَ الإسراء والمعراج أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَمَّا عرج به إلى السماوات رآها تَمُوج بأصْناف الملائكة الكِرام الذين لا يُحصِيهم إلا الله - سبحانه: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31] ، ورأى من عِبادتهم أمرًا عجبًا، فمنهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يرفَع رأسه، فجمَع الله له ولأمَّته تلك العبادات كلها في كلِّ ركعة يُصلِّيها العبدُ بشَرائطها من الطمأنينة والإخلاص والخشوع، وهذا شيءٌ وإنْ كان سبَق به القضاء الأزَلي إلا أنَّ الله - سبحانه - أظهَرَه بعد وجود ما يقتَضِيه، وفي اختِصاص فرْض الصلاة بهذه الليلة وكونها من غير وساطة بل بكلام الله من وَراء حجاب تشريفٌ لها وبَيانٌ لعظم مكانتها في الإسلام.
هذا البحث من المباحث التي اختَلفتْ فيها أنْظار العُلَماء قديمًا وحديثًا، فمن مُثبِتٍ للرؤية، ومن نافٍ لها، والبعض توقَّفَ في المسألة ولم يُدْلِ برأي فيها؛ وذلك لتعارُض الأدلَّة واختلاف الروايات في ذلك.
وها أنذا أُحاوِل تجليةَ هذا الموضوع وبَيان الحقِّ فيه معتمدًا على ما ثبَت من الروايات، وموفقًا بين ما ظاهِرُه التعارُض منها؛ كي أصل إلى رأيٍ راجح تدعَمُه الأدلَّة.
وهذا الخِلاف تمتدُّ جُذوره إلى الصحابة - رضوان الله عليهم - فمنهم مَن أثبت الرُّؤية ومنهم مَن نَفاها.
فذهبت السيِّدة عائشة وابن مسعود - رضِي الله عنهما - إلى إنْكار الرؤية في هذه الليلة، قال القاضي عياض: وإليه ذهَب جماعةٌ من المحدِّثين والمتكلِّمين.
وكانت عائشة تُنكِر على مَن يقول بالرؤية وتشتدُّ في الإنكار، روى الإمام مسلمٌ في"صحيحه"بسنده عن مسروق قال: كنت عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة [1] ثلاثٌ مَن تكلم بواحدةٍ منها فقد أعظم على الله الفرية قلت: ما هي؟ قالت: مَن زعَم أنَّ محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية
(1) كُنية مسروق.