"وعلى هذا فيمكن الجمعُ بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأنْ يُحمَل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرَّد حُصول العلم؛ لأنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان عالمًا بالله على الدوام، بل مراد مَن أثبت له أنَّه رآه بقلبه أنَّ الرؤية التي حصلت له خُلِقت في قلبه كما تُخلَق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يُشتَرط لها شيءٌ مخصوص عقلًا ولو جرت العادة بخلْقها في العين".
وقد ذهَب بعضُ العلماء إلى التوقُّف في المسألة ورجَّحَه القرطبي في"المفهم شرح صحيح مسلم"، وعَزاه لجماعة من المحقِّقين، وقوَّاه بأنَّه ليس في الباب دليلٌ قاطع، وغاية ما استدلَّ به للطائفتين ظواهر مُتَعارِضة قابلة للتأويل، وليست المسألة من العمليَّات فيُكتَفى فيها بالأدلة الظنيَّة، وإنما هي من المعتقدات فلا يُكتَفَى فيها إلا بالدليل القطعي.
وبعدُ، فهذه خُلاصة البحث في الرؤية، ولعلِّي أكون قد أصبتُ في تحقيق الآراء والتوفيق بينهما، وتكوين رأي يعتمد عليه في هذه المسألة الشائكة وما توفيقي إلا بالله عليه توكَّلت وإليه أنيب.
ويسوقنا هذا البحث في رؤية النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لربِّه في اليقظة إلى البحث في رؤيته - صلَّى الله عليه وسلَّم - لربه مَنامًا، وهذه الثانية ثابتةٌ في الأحاديث رواها الإمام أحمد في"مسنده"والترمذي في"سننه"وقال: حديث حسن صحيح.
وإليك رواية الإمام أحمد في"مسنده"أسوقُها بطولها لما فيها من تجلِّيات إلهيَّة وعلم وأدب.
روى الإمام أحمد في"مسنده"بسنده عن مُعاذ - رضي الله عنه - قال: احتبس علينا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذات غَداة من صلاة الصبح حتى كِدنا نتراءَى قرْن الشمس، فخرَج - صلَّى الله عليه وسلَّم - سريعًا فثوَّب بالصلاة فصلى وتجوَّز في صلاته، فلمَّا سلَّم قال: (( كما أنتم ) )، ثم أقبل إلينا فقال: (( إنِّي قمتُ من الليل، فصلَّيت ما قُدِّرَ لي، فنعست في صَلاتي حتى استيقظت، فإذا أنا بربي - عزَّ وجلَّ - في أحسن صُورة [1] فقال: يا محمد، أتدري فيمَ يختصم الملأ
(1) هذا من أحاديث الصفات، وللعلماء فيها رأيان: رأي السلف: الإيمان بها كما وردت مع تفويض علم حقيقتها إلى الله وتنزيهه عن الظاهر المعروف لنا، ورأي الخلف: التأويل على حسب قواعد الشرع واللغة فيقولون في الصورة: الصفة التي تليقُ به من الكمال والحلال والجمال، وفي الكف والأنامل: أنَّ المراد به التجليات الإلهية التي بها يفيضُ القلب إيمانًا وعِلمًا ومعرفة، فالكلام من قبيل التمثيل بإظهار المعاني المعقولة في صور المحسوسات المعهودة، [والذي نراه ونعتقده أنْ نؤمن بهذه الصفات كما جاءت، ولا نُكيِّف ولا نمثِّل، وأنَّ الإيمان بها واجبٌ، ونرى صواب مذهب السلف من الصحابة والتابعين وممَّن بعدهم من أئمَّة الهدى؛ كالأئمة الأربعة والإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم- فمذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، ولا خير في مخالفتهم] وهذا الكلام بين القوسين هو آخِر ما اعتقده المؤلف - رحمه الله - ورجع به إلى مذهب السلف في الصفات، و هو منقولٌ من كتابه"الإسرائيليات والموضوعات" [الناشر] .