الفصل الأول
حاجة البشَر إلى الرُّسل
خلَق الله النَّوع الإنساني، وكرَّمه وفضَّله على كثيرٍ من خلقه، وأعدَّه لعمارة الكَوْنِ، والانتفاع بما فيه، ووهَبَه لطيفةً ربانيَّة وهي العقلُ، وبه شرُف الإنسان، وبه صلَح للاستِخلاف في الأرض، والاهتداء إلى طُرُقِ الانتفاع بها، واستغلال ما فيها.
وكلُّ فردٍ من أفراد هذا النَّوْعِ الإنساني في حاجةٍ إلى الآخَر، فالصانع محتاجٌ إلى الزارع، والزارع محتاجٌ إلى الصانع، وكلٌّ منهما في حاجةٍ إلى التاجر، وصاحِبُ المال محتاجٌ إلى العامل، والعامل محتاجٌ إلى صاحب المال، والجاهل في حاجةٍ إلى العالم، والضالُّ في حاجةٍ إلى الهادي والمرشد.
بل الجماعات والشُّعوب لا تستَغنِي جماعةٌ عن جماعة، ولا شعبٌ عن شعب في عِلمه وصِناعته، ولا في موارده الاقتصاديَّة.
وهكذا شاءَ الحقُّ - تبارك وتعالى - أنْ يكون النَّوْعُ البشري كأسرةٍ واحدة؛ كي تتحقَّق المصلحة العامَّة، ويحصل الارتفاق بين الناس على خير ما يكون، وصدَق الله حيث يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] ، وصدق الشاعر العربي:
النَّاسُ لِلنَّاسِ مِنْ بَدْوٍ وَحَاضِرَةٍ = بَعْضٌ لِبَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُوا خَدَمُ
وقديمًا قال أحد فلاسفة اليونان:"الإنسان مدني بالطبع".
ويكفيك دليلًا على أنَّ الإنسان لا يعيشُ إلا في جماعةٍ ما وهَبَه الله - سبحانه - من آلة منطق"اللسان"فإنَّه خُلِقَ لتصوير المعاني في الألْفاظ، وتأليف العبارات الدالَّة على ما في النفس؛ وذلك لاشتِداد حاجة هذا النوع إلى التفاهُم بعضه مع بعض، وأنَّ الإنسان لا يمكن أنْ يعيشَ وينتَفِع بخيرات الأرض وهو بمعزِل عن الناس جميعًا.
وحاجة الأفراد بعضهم إلى بعض تزيدُ وتكثُر كلَّما كثُرتْ مطالب العيش، وتشابَكت المصالح، وزاد التمدُّن، واستَبحَر العمران، وفي تلك الحالات تمتدُّ الحاجات من الأسرة إلى القبيلة، ثم إلى الأمَّة ثم إلى أفراد النَّوع الإنساني بأسْرِه.