فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 68

وسيِّدنا عيسى - عليه السلام - لَمَّا بُعِثَ في وقتٍ كثُر فيه الاشتِغال بالطب وإلى قوم برَعُوا فيه، كانت آياته مناسبةً لما اشتهر في عصره، فكان يخلق لهم من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، ويبرئ الأكمَهَ [1] والأبرص ويُحيِي الموتى بإذن الله؛ قال - تعالى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49] ، مع أنَّ عيسى - عليه السلام - لم يكنْ ممَّن عُرِفُوا بالنُّبوغ في الطب، ولا ممَّن يُمارِسون هذه الصناعة، فظهور مثْل هذه الخوارق على يدَيْه دليلٌ صدْق على أنها من صُنع الله وأنَّه صادقٌ فيما ادَّعاه.

وخاتم النبيِّين وسيِّد البشر رسولُنا محمَّد - صلوات الله وسلامه عليه - لَمَّا بُعِثَ في وقتٍ اكتَمَل فيه العقلُ البشري، وبلَغَتْ فيه البشريَّة سِنَّ الرشد، واختِيرَ من قومٍ عُرِفُوا بتملُّك زِمام الفَصاحة والبلاغة، والتصرُّف في فنون القول وضُروبه، حتى كان غاية الشريف منهم أنْ يكون شاعِرًا مفلقًا، أو خطيبًا مصقعًا كانت آيته الكبرى قرآنًا يُتلَى بلَغ أقصى درجات الفصاحة والبلاغة مع الإصابة في القول، والحِكمة في التشريع، والصِّدق في المعاني، والنُّبل في المقاصد، والسُّموِّ في الأخلاق والآداب.

المعجزة الكبرى: لقد كانت معجزات الأنبياء السابقين حسيَّة تنقَضِي بانقِضاء أزمانها، فهي لِمَن شاهَدَها، أمَّا معجزة نبيِّنا الكُبرى فكانت معنويَّة.

ذلك أنَّ رسالات الأنبياء السابقين كانت لبعْض الناس، ولزمانٍ مُؤقَّت معيَّن؛ فهي محدودةٌ بحدود الزمان والمكان، بخِلاف رسالة نبيِّنا؛ فهي للناس كافَّة ومستمرَّة إلى يوم القيامة؛ قال - سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28] ، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] .

وفي الحديث الصحيح الذي رَواه البخاري ومسلم وغيرهما: (( وكان كلُّ نبيٍّ يُبعَث إلى قومه خاصَّة، وبُعِثتُ إلى الناس عامَّة ) )، وقد جاءت في وقتٍ بلغَتْ فيه البشريَّة الكمالَ العقليَّ كما

(1) الأكمه: الذي وُلِدَ أعمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت