فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 68

والظاهر أنَّ ما رُوِي عن معاوية - رضي الله عنه - غير صحيح أيضًا، وهو حين الإسراء والمعراج لم يكن أسلمَ بعدُ.

ولو سلَّمنا بما نسب إليهما - جدلًا - فظواهر القرآن والسُّنَّة الصحيحة تردُّه.

وأبعَدُ من هذا القول قولُ مَن ذهب إلى أنهما كانا في المنام، ويستدلُّون على ذلك بقوله - تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60] .

وقالوا: الآية تُشِير إلى الإسراء والمعراج، والرُّؤيا إنما تُطلَق على المناميَّة لا البصريَّة، وليس أدل على ردِّ استدلالهم بهذه الآية من قول ابن عباس في تفسيرها:"هي رؤيا عين أُرِيَها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليلةَ أُسرِي به، والشجرة الملعونة شجرة الزقوم"؛ رواه البخاري في"صحيحه"، والترمذي والنسائي في سننهما، ومراد ابن عباس برُؤيا العين جميع ما عايَنَه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليلةَ أُسرِي به من العجائب السماويَّة والأرضيَّة.

وابن عباس حبر الأمَّة وترجمان القرآن ومِن أعلم الناس بالعربيَّة، وكان إذا سُئِلَ عن لفظٍ من القران ذكَر له شاهدًا من كلام العرب، فكلامه حجَّة في هذا، فالرؤيا كما تُطلَق على المناميَّة تُطلَق على البصريَّة أيضًا.

ومن شَواهِد ذلك من لغة العرب الذين يحتجُّ بكلامهم قول الراعي يصف صائدًا:

فَكَبَّرَ لِلرُّؤْيَا وَهَشَّ فُؤَادُهُ = وَبَشَّرَ نَفْسًا كَانَ قَبْلُ يَلُومُهَا

وأيضًا لو كان في المنام لم يكن فيها شيءٌ يُستَعظَم، ولما بادَر كفار قريش إلى تكذيب الرسول، ولما ارتدَّ بعضُ ضُعَفاء الإيمان ممَّن كانوا أسلَمُوا؛ إذ كثيرٌ من الناس يرَوْن في مَنامِهم مثل ذلك وأكثر، فيرى الرائي أنَّه ذهب إلى السماء أو إلى أقصى المعمورة؛ فاستِبعادُهم لذلك ومسارعتهم إلى تكذيب الرَّسول عقب إخبارهم من أظهر الأدلَّة على أنهم فَهِمُوا من إخْبار النبيِّ أنهما كانا في اليقَظَة لا في المنام.

وممَّا ينبغي أنْ يُعلَم أنَّ بعض الكاتبين في الإسراء والمعراج يخلط بين قول مَن يقول: كانا منامًا، وقول مَن يقول: كانا بالروح، وبينهما فرق؛ فمَن قال بالروح أراد أنَّ الروح بما لها من قُدرةٍ على التصرُّف والانتقال هي التي انتقلت وجالت في هذه المعاني المقدَّسة في الأرض وفي السماء، وأمَّا مَن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت