فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 68

ثم عرج النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى سِدرة المُنتَهى، وقد غشيها من جَلال الله، وعجيب خلقه ما غشيها، فما يستطيعُ أحدٌ من خلْق الله، مهما أُوتِي من بيانٍ أنْ ينعَتَها من حُسنها وبديع صُنعها.

وهنالك عند سِدرة المُنتَهى انتهى جبريل إلى مَقامه المعلوم، ثم عرج بالنبي صاحب المقام المحمود، في أجواءٍ من الأنوار، وسبحات من الجلال والجمال والكمال، وفضاء لا يعلم مَداه إلا علاَّم الغُيوب، حتى ارتقى إلى مُستوى سمع فيه صَريف [1] أقلام الملائكة الكِرام، وهنالك أراه ما أراه من آياته الكبرى، وأوحى إلى عبده ونجيِّه محمد ما أوحى، وفرَض عليه وعلى أمَّته خمسين صلاةً في اليوم والليلة، فرجع الحبيبُ ومرَّ على موسى الكليم، فقال له: يا محمد، بِمَ أُمِرتَ؟ قال: (( بخمسين صلاة كلَّ يوم ) )، قال: إنَّ أمتك لا ستطيع ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل قبلَك، وعالجتهم على ما دون ذلك فما استطاعوا، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع سيدنا محمد إلى ربه فسأله التخفيف، فوضَع عنه بعضَها، ثم عاد النبي ومرَّ على موسى، فقال له مثل مقالته الأولى، ولم يزل النبي يرجع بين موسى وبين ربِّه سائلًا التخفيف، حتى قال الحق - تبارك وتعالى: يا محمد، إنهنَّ خمس صلوات في اليوم والليلة، وهن خمسون في الثواب، فنزل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتى انتهى إلى موسى - عليه السلام - فأخبره بمقالة الرب - جلَّ وعلا - فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال له السيد الحيي الرَّضِيُّ: (( سألت ربي حتى استحييت، ولكنْ أرضى وأسلِّم ) )، فلمَّا جاوَز ناداه الربُّ - جلَّ وعلا: أمضيت فريضتي وخفَّفت عن عبادي.

ثم عاد رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه - محفوفًا بالإكرام والعِناية الربانيَّة، وعليه هالاتٌ من الجلال والتجلِّيات الإلهيَّة، حتى وصَل إلى بيت المقدس، وعاد إلى البلد الحرام، وهو في غايةٍ من السكينة والوَقار.

وبذلك تمَّت فصولُ قصة الإسراء والمعراج.

وفي صبيحة الليلة المشهورة الغرَّاء أخبَرَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمَّ هانئ بما جرَى، فقالت: يا رسول الله، لا تُحدِّث قومَك بهذا فيُكذِّبوك ويُؤذوك، فقال: (( والله لأُحدِّثنَّهم به ) )، فغدا

(1) الصَّريف: صوت القلم، والمراد: الأقلام التي تكتُب بها الملائكة ما يَشاء الله من تدبيره في الأكوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت