بفؤاده، فحكيت عنه روايتان وحكيت عنه الثالثة من تصرُّف بعض أصحابه أنَّه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودةٌ ليس فيها ذلك" [1] ."
وممَّا يُؤيِّد أنَّ الرؤية البصريَّة لم تقعْ ما رواه مسلمٌ بسنده عن أبي ذرٍّ قال: سألت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: هل رأيت ربَّك؟ قال:"نورٌ أنَّى أراه"؛ أي: حالَ بيني وبين رُؤيته النور الذي هو حِجابه، فكيف أراه! وفي روايةٍ أخرى"رأيت نورًا".
وأصرَحُ من ذلك في الدلالة على أنَّ الرؤية هي القلبيَّة ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن كعب قال: قالوا: يا رسول الله، رأيت ربَّك؟ قال: (( رأيته بفُؤادي مرَّتين ) )، ثم قرأ: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11] .
وروى ابن جرير بسنده عن محصن بن كعب عن بعض أصحاب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: قلنا: يا رسول الله، هل رأيت ربَّك؟ قال: (( لم أرَهْ بعيني ورأيته بفؤادي مرَّتين ) )، ثم تلا {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: 8] وهاتان الروايتان إنْ صحَّتا تكونان من أقْوى الأدلَّة لابن عباس فيما ذهَب إليه في تفسيره لآيتي النجم.
وإذا قد انتهَيْنا من استعراض الروايات وتحقيقها إلى أنَّ الثابت عن الصحابة وعلى رأسهم ابن عبَّاس إنما هي الرؤية القلبيَّة، فيمكننا التوفيق بين النافين والمثبتين بأنَّ مَن نفاها أراد الرؤية البصريَّة، ومَن أثبتَ يكون مُراده القلبيَّة، وتكون الرُّؤية القلبيَّة ليست محلَّ خِلاف.
معنى الرؤية القلبيَّة أنْ يحصل لقلب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حالةٌ بها يرى الله - عزَّ وجلَّ - هذه الحالة مثْل قوَّة الإبصار المودعة في العين التي بها تُدرَك المبصرات وهذه الحالة القلبيَّة فوق العِلم والمعرفة.
قال الحافظ ابن حجر في"الفتح"بعدما بيَّن أنَّ ما رُوِي عن ابن عباس محمولٌ على رؤية القلب ما نصه:
(1) "زاد المعاد في هدي خير العباد"ج 2 ص 48.