وحدَّث نبيُّ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه رأى أربعةَ أنهارٍ يخرج من أصلها [1] نهران ظاهران، ونهران باطنان، (( فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: أمَّا النهران الباطنان فنهران في الجنَّة، وأمَّا الظاهران فالنيل والفرات.
ثم رُفِعَ لي البيت المعمور فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يَدخُله كلَّ يومٍ سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخِر ما عليهم [2] ثم أُتِيتُ بإناءين: أحدهما خمر والآخر لبن، فعُرِضَا عليَّ فاخترت اللبن فقيل: أصبتَ، أصابَ الله بك، أمَّتك على الفطرة [3] .
ثم فرضت عليَّ كلَّ خمسون صلاة"ثم ذكر قصَّتها إلى آخر الحديث [4] ."
يعني: على النحو الذي ذُكِرَ في رواية البخاري، وقد تبيَّنت أيها القارئ إلى أيِّ حدٍّ اتَّفق الرُّواة على الروايتين على طولهما، وأنَّه لم يحصل اختلاف إلا في ألفاظٍ قليلة، وهذا إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدلُّ على قوَّة ذاكرة الرواة المسلمين وحِفظهم النادر، وتدقيقهم البالغ وأمانتهم الفائقة.
حدثنا شيبان بن فروخ (قال) حدثنا حماد بن سلمة (قال) حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك - رضِي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: (( أُتِيتُ بالبراق وهو دابَّة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل يضع حافِرَه عند مُنتَهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيتُ بيت المقدِس قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخَلت المسجد فصلَّيت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل - عليه السلام - بإناءٍ من خمر وإناءٍ من لبنٍ، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة [5] .
(1) الضمير بعودُ على سِدرة المنتهي كما في رواية البخاري السابقة، ورواية مسلم هذه يغلب عليها الاقتصار والإيجاز؛ لأنَّه ذكَر روايةً قبلَ هذه في"صحيحه"عن أنسٍ من طريق ثابت البناني، وهي أتَمُّ من هذه وأوفى، وسأذكُرها.
(2) يعني: آخِر ما عليهم من دخوله، وهذا الوصف يدلُّ على كثْرة ملائكة الله الفائقة، وأنَّه لا يعلم عدَّتهم إلا هو.
(3) أصبت؛ أي: الفطرة، أصاب الله؛ يعني: أراد بك الفطرة والخير والفضل، وأمَّتك تبع لك على الفطرة.
(4) انظر:"صحيح مسلم بشرح النووي"ج 2 ص 223 - 225.
(5) في هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم أنَّ عرْض اللبن والخمر كان في الأرض قبلَ العُروج، وفي الحديث الذي اتَّفق عليه البخاري ومسلم وهو الذي ذكَرْناه آنِفًا أنَّ ذلك كان بعدَ العُروج ومجاوزة السماوات السبع، وليس هذا باضطرابٍ ولا تناقُض، وإنما هو محمول على تعدُّد العرض على النبي فمرَّة في الأرض ومرَّة في السماء، وتكون كلٌّ من الروايتين قد ذكرت ما تُرِكَ في الأخرى اقتصارًا من الراوي على البعض وترك البعض أو نسيانًا، ومهما يكنْ من شيءٍ فلا يُعتَبر ذلك عد أهل الفنِّ مطعنًا قي الحديث.