دعوته، وتَبلِيغ رسالة ربِّه، والنصر على أعدائه، وأطلَعَه الله من مَلكُوته العظيم على ما أطْلعه عليه ممَّا ملأ النفس رضًا، والقلب نورًا، والصدر ثلجًا وطمأنينة.
الإسراء: هو ذَهاب الله بنبيِّه محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - من المسجد الحرام بمكَّة إلى المسجد الأقصى بإيلياء - مدينة القدس - في جُزْءٍ من الليل ثم رُجوعه من ليلته.
المعراج: هو صُعوده - صلَّى الله عليه وسلَّم - من بيت المقدس إلى السماوات السبع وما فوق السبع، ثم رُجوعه إلى بيت القدس في جزءٍ من الليل.
الإسراء ثابتٌ بالقُرآن والأحاديث الصحيحة المتكاثرة.
أمَّا القرآن ففي قوله - سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [2] [الإسراء: 1] .
(1) الإسراء في اللغة: مصدر أسرى، وهو سيرُ عامَّة الليل، ويقال: أسراه وأسرى به، وعلى الثانية جاء القرآن الكريم.
وجمهور اللغويين على أنَّ سرى وأسرى بمعنًى واحد، وبعضهم يُفرِّق بينهما فيقول: أسرى: سار من أوَّل دليل، وسرى: سار من آخره.
والمعراج بكسر الميم قال ابن الأثير: المعراج بالكسر شبه السُّلَّم مفعال من العروج؛ أي: الصعود كأنَّه آلةٌ له مأخوذٌ من عرج يعرج عُروجًا إذا صعَد، والمراد به المصدر؛ أي: العروج.
(2) بدأ الآية بلفظ {سبحان} لأنَّ من قدر على هذا فهو مستحقٌّ للتنزيه والتقديس وفيما معنى التعجب، وما أجدر الإسراء بأنْ يتعجب منه! وفى ذكر العبد هذا المقام تشريف، وتحذير أن يتَّخذ الإسراء وسيلة لرفْع الرسول من مقام العبودية إلى مقام الألوهيَّة، وذكر لفظ"ليلا"مع أن الإسراء لا يكون ألا ليلًا للإشارة إلى أنه في جزء من الليل والمسجد الحرام بمكة.
وسمى حرامًا لحرمته والمسجد الأقصى: ببيت المقدس وسمي الأقصى لبعدها من المسجد الحرام والمراد يقوله"باركنا حوله"البركات الدينية والدنيوية، أمَّا بركاته الدينيَّة فلكونه مقرَّ الأنبياء ومهاجر الكثير منهم، وقبلتهم ومهبط الملائكة وهو أحدُ المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ إليها الرجال مسجد مكة ومسجد المدينة، مسجد بيت المقدس، والتي يُضاعَف فيها ثوابُ الصلاة، وأمَّا الدنيويَّة فلما يحيط به من الأنهار الجارية والزروع والبساتين النضرة {لنريه من آياتنا} المراد بها ما أراه الله لنبيه في هذه الليلة من مخلوقات الله وآلائه وجَلاله وعَجائب صُنعه، وما أفاض به على قلبه من فيوضات ربانيَّة والتعبير بمن هنا غاية البلاغة لأنَّ الله أرى نبيه بعض آياته لا كلها؛ إذ آيات ألله لا تنهى، ولا يتسع لها قلب بشر، وما أبلغ من يختم الآية بقوله: {إنه هو سميع بصير} فهو عدة للمؤمنين بالإسراء بالجميل، والثواب الجزيل، ووعيد للمكذبين والمرجفين.