ومع وُضوح دلالتها على صِدق النبيِّ الذي ظهَرتْ على يدَيْه فقد قارَن حُصولها الإنْكار من بعض الناس عِنادًا ومُكابرة، ولو أنَّ كلَّ حقٍّ يظهَر يأخُذ به الناس جميعًا لما كان هناك خِلافٌ في الأرض، ولكان الناس أمَّة واحدة، ولكن طبيعة الناس على خِلاف هذا، وصدَق الله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] .
والمعجزة ليست من قَبِيل المستحِيل العقلي، فإنَّ مخالفة السنن الكونيَّة المعروفة ممَّا لم يقمْ دليلٌ على استحالته فهي - وإن كانت مخالفة للعادة - داخلة في نطاق الممكنات العقليَّة.
وإذا كان الله - سبحانه - ربَط الأسباب بالمسبَّبات، وأوجد الكائنات بناموس قد يصلُ عِلمُنا إلى معرفته، فليس من المحال عليه - سبحانه - أنْ يضع نواميس خاصَّة بِخَوارق العادات يعرفها هو - سبحانه - غير أنَّنا لا نعرفها، ولكنَّنا نرى أثَرَها على يد مَن اختصَّه الله بفَضْلٍ منه ورحمة.
وإذا اعتقدنا أنَّ الله قادرٌ مختار لا يُعجِزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء سهُل علينا الإيمان بأنَّه لا يمتنع عليه أنْ يحدث الحادث على أيِّ هيئة، وتابعًا لأيِّ سبب إذا سبق في علمه أنَّه يحدثه كذلك، واقتضت الحكمة إيجاده على هذا النحو.
والمعجزة نفحةٌ من نفحات الحق يُجرِيها الله - سبحانه - على يَدِ أحد أنبيائه، وليست من صُنعِه، وإنما هي من صُنع الله - تعالى - وليس أدل على ذلك من أنَّ موسى - عليه السلام - لَمَّا أراد الله أنْ يُعلمه معجزته الكبرى، وهي العصا ليَأنَس بها فانقَلبتْ حيَّة ولَّى خائِفًا، ولو كانت بصُنعِه وعِلمه لما خافَ؛ قال - تعالى - حاكيًا ذلك: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10] ، أمَّا السَّحَرَة فلمَّا ألقوا حبالهم وعصيَّهم وصارت حيَّات تسعى لم يجفلوا منها؛ لأنها بصُنعهم، وهم أعلم الناس بحقيقة أمرها.
أنَّ المعجزة ليست معروفةَ السبب من الخلق بخِلاف المُختَرعات العجيبة، فإنها لا تدخُل في نِطاق المعجِزات ولا تُقارِبها؛ إذ هي أمورٌ مبنيَّة على تجارب ونظريَّات داخلة تحتَ طاقة الإنسان وقُدرته،