فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 68

قال: وكنت متكئًا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقلِ الله - عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23] ، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] ؟! فقالت: أنا أوَّل هذه الأمَّة سأل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن ذلك فقال: (( إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرتين ) )، رآه منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض، فقالت: أوَلم تسمع الله يقول: {لاَ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] ، وأنَّ الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51] .

قالت: ومَن زعَم أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كتَم شيئًا من كتاب الله فقد أعظَمَ على الله الفِرية والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] .

قالت: ومَن زعم أنَّه يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} [النمل: 65] .

فالسيدة عائشة اعتَمدَتْ في إنْكارها على أنَّ آية التكوير وآية النجم المراد بهما أنَّ المرئيَّ جبريل لا الله - سبحانه - اعتمادًا على إخبار رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لها بذلك، وكذلك كان ابن مسعود يرى أنَّ المرئيَّ هو جبريل - عليه السلام.

واعتمدت أيضًا على فهمها واجتهادها في الآيتين الأُخريَيْن.

أمَّا ما ذهبت إليه من أنَّ آية التكوير والنجم في رؤية النبيِّ لجبريل فهذا ما لا نُنازِعها فيه؛ لأنَّ عائشة اعتمدت في ذلك على ما سمعَتْه من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وما دامت الرواية صحَّت عن المعصوم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلا كلام لأحدٍ مع كلامه.

وليس الأمر كما زعَم بعض العلماء من أنَّ عائشة اعتَمدتْ على فهْمها واجتهادها في الآيتين؛ لأنَّ رواية مسروق التي سُقناها صريحةٌ كلَّ الصراحة في سَماعها ذلك من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

وأمَّا استدلالها بآية الأنعام: {لاَ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ... } وأية الشورى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ ... } المسابقتين فالظاهر أنَّ هذا باجتهادٍ منها على حسَب ما فهمَتْه.

وفي الحقِّ أنَّ الآيتين لا تدلاَّن على نفْي الرؤية، وإليك البيان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت