فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 68

أمَّا الآية الأولى فلأنَّ الإدراك معناه الإحاطة كما تدلُّ عليه اللغة في الكتاب الكريم: {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] ونفْي الإحاطة لا يلزَمُ منه نفْي الرُّؤية بدُون إحاطة، فظهر أنَّ الآية لا تصلح دليلًا لِمَن يَنفِي الرُّؤية.

وكان ابن عباس يُؤوِّل هذه الآية على نحو ما ذَكرناه، أخرج الترمذي من طريق الحكم بن أبان عن عِكرمة عن ابن عبَّاس قال:"رأى محمَّد ربه"قلت: أليس الله يقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ... } [الأنعام: 103] الآية قال:"ويحك! ذاك إذا تجلَّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربَّه مرتين".

وأمَّا الآية الثانية: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ ... } [الشورى: 51] فلا تدلُّ على نفْي الرُّؤية أيضًا؛ لأنَّه لا يلزَمُ من الرؤية وجود الكلام مُقارنًا لها فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، والآية حصرت التكليم في هذه الثلاثة: إمَّا الوحي وهو الإلهام أو المنام، وإمَّا من وراء حجاب؛ أي: بدون وساطة، وإمَّا بإرسال رسولٍ وهو جبريل، والرؤية بدون كلام وراء هذه الثلاثة، وبذلك ظهَر أنَّ الآية لا تَنفِي حُصول الرؤية، هذا إلى أنَّ رؤية الله في الدنيا جائزة، وسؤال موسى - عليه السلام - ربَّه إيَّاها دليلٌ على الجواز؛ إذ لا يجهَلُ نبيٌّ ما يجوزُ أو يمتنع على الله - سبحانه - وهي مع كونها جائزةً فلم تقَع لأحدٍ في الدنيا إلا لنبينا - صلوات الله وسلامه عليه.

القائلون بالرؤية:

وذهَب جماعةٌ من السَّلَف إلى إثبات رؤية النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لربِّه ليلةَ المعراج؛ منهم ابن عباس، وسائر أصحابه، ومنهم عروة ابن الزبير وكان يشتدُّ ويغضب إذا ذُكِر له إنكار السيدة عائشة - رضي الله عنها.

وحكى عبدالرزاق عن معمر عن الحسن البصري"أنَّ محمدًا رأى ربه"، وبه جزَم الزهري، وهو قول الإمام الأشعري والإمام أحمد.

أمَّا الروايات عن ابن عباس - رضي الله عنهما - فقد جاء بعضُها مطلقًا وبعضها مُقيَّدًا برُؤية القلب والفؤاد، فينبغي حملُ الروايات المطلقة على المقيَّدة [1] .

(1) "فتح الباري"ج 8 ص 469.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت