وقد نقَل البيهقي عن الإمام الشافعي - رضِي الله عنه - أنَّه كان يقول:"ما أعطَى الله نبيًّا شيئًا إلا وأعطَى الله محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما هو أكثر منه، فقيل له: أعطى عيسى ابن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنينُ الجذع أبلَغُ؛ لأنَّ حياةَ الخشبة أبلَغُ من إحياء الميت، ولو قيل: كان لموسى فلق البحر عارَضْناه بفلق القمر، وذلك أعجب؛ لأنه أيةٌ سماويَّة وإنْ سُئِلنا عن انفجارِ الماء من الحجر عارَضْناه بانفِجار الماء من بين أصابعه - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأنَّ خُروج الماء من الحجر مُعتادٌ، أمَّا خروجه من اللحم والدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان عارَضْناه بالمعراج" [1] .
وهكذا لو نهجنا منهجَ إمام الأئمَّة الشافعي لما عجزنا عن أنْ نجدَ لكلِّ معجزةِ لنبيٍّ سابق مثلًا لها أو أبلغ منها لرسولنا - صلَّى الله عليه وسلَّم.
وقد ذكَر الإمام النووي في مقدمة"شرح صحيح مسلم"أنَّ معجزات النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - تزيد على ألف ومائتين، وقال البيهقي في المدخل: بلغت ألفًا، وقال الزاهدي من الحنفيَّة: ظهر على يدَيْه ألف معجزة، وقِيل أكثر من ذلك.
ولعلَّ السبب في هذه الكثرة الكاثرة - والله أعلم - أنهم عدوا كلَّ ما كان من دلائل النبوَّة معجزات؛ فيدخُل فيها الإرهاصات التي تقدَّمت البَعثة المحمديَّة، وما كان عند الميلاد، بل وما سبق الميلاد من الأمارات الدالَّة على نبوَّته - صلَّى الله عليه وسلَّم - وإلا فلو تتبَّعنا الروايات الصحيحة الموثوق بها لما بلغت المعجزات الحسيَّة عُشْرَ هذا المقدار، والقُرآن الكريم نفسه اشتمل على معجزات كثيرة؛ كالإخبار بالمغيبات السابقة واللاحقة، وتحدِّي اليهود أنْ يتمنَّوا الموت، فلعلَّهم عدوا أيضًا كلَّ هذه معجزات مستقلَّة، وبهذا يخلص لهم من المعجزات شيءٌ كثير.
وقد اعتَنى المحدِّثون في كتبهم بجمع المعجزات النبويَّة، فعقد الإمام البخاري لذلك بابًا كبيرًا في صحيحه [2] ، وألَّف بعض الأئمَّة في ذلك كتبًا خاصَّة كما صنَع الحاكم في"الإكليل"، وأبو سعيدٍ النيسابوري في"شرف المصطفى"، وأبو نعيم والبيهقي في"دلائل النبوة"، وذكر القاضي عياض في"الشفا"من المعجزات النبويَّة شيئًا كثيرًا.
(1) "مناقب الشافعي": ص 38.
(2) عنوانه: باب دلائل النبوة.