فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 68

من الإسراء إلى بيت المقدس في ليلةٍ ورُجوعه منه، وإذا تحقَّقوا صِدقه في الإسراء لزمهم تصديقه في بقيَّة ما ذكَرَه من المعراج ليؤمن من آمَن عن بيِّنة، ويَكفُر بعد قيام الحجَّة عليه.

أيضًا فإنَّ بيت المقدس مهاجر الأنبياء وأوَّل القبلتين، وثاني المسجدين المشرَّفين، فأراد الله أنْ يُشرِّف نبيَّه بالصلاة في البُقعتين المبارَكتين، وأنْ يَحُوز الفضيلتين.

ومن هذا البَيان والإفصاح عن السر يتبيَّن لنا الحكمة في اقتِصاره - صلَّى الله عليه وسلَّم - صبيحة ليلة الإسراء والمعراج على الإخبار بالإسراء دُون المعراج، هذا إلى ما فيه من الرِّفق بالسامعين، والتلطُّف بهم في قبول الغَرائب والخوارق، وذلك بالتدرُّج في الإعلام بذِكر الغريب ثم الأغرب.

ولعلَّ هذا هو السرُّ أيضًا في اقتصار الكتاب الكريم على ذِكر الإسراء تصريحًا؛ ففيه رفقٌ بالعباد ورحمةٌ بهم ألاَّ يخبرهم بالخوارق دفعةً واحدةً.

استشكل بعض الناس قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في حديث المعراج الذي سُقناه لك فيما سبق:

(( ثم رُفِعتُ إلى سِدرة المُنتَهي، وإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران؛ أمَّا الباطنان فنهران في الجنة، وأمَّا الظاهران فالنيل والفرات ) ).

ووجْه الاستشكال أنَّ ممَّا لا شكَّ فيه ولا ينبغي أنَّ يماري فيه إنسان عاقل أنَّ النيل والفرات ينبعان من الأرض لا من سِدرة المُنتَهى، وهذا أمرٌ بدهي.

وسأجيبُ عن ذلك بما يقنع العقل ويطمئن القلب، ويبيِّن أنَّ الحديث الشريف والعِلم مُتَوافِقان وأنَّ الاستشكال إنما جاء من فهْم الحديث فَهْمًا ظاهريًّا سطحيًّا، وإليك الجواب:

إنَّ هذه الليلة المباركة كانت حافلةً بضرْب الأمثال، وقد أرى الله فيها نبيَّه من الآيات والعِبَر ما أراه لحِكَمٍ وأسرار، وإشارات وتلويحات، فما ذُكِرَ في الحديث الشريف عن النيل والفرات واردٌ على سبيل التمثيل والتصوير، وأنَّ ما رآه النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - هو مثالٌ لهما، وذلك كما مُثِّلتْ له - صلَّى الله عليه وسلَّم - الجنَّة في عرض الحائط في غير هذا الحديث، وكما مُثِّلَ له أرواح الأنبياء وتشكَّلت بشكْل أجسامهم في هذه القصة، وكما مُثِّلَ له أرواح نسم المؤمنين وأرواح نسم الكفَّار عن يمين آدم وعن يساره في هذه القصة أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت