قد يستَشكِل بعض الناس وجود الأنبياء الذين لقيهم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في السماوات مع أنَّ أجسادهم - غير عيسى، عليه السلام - في الأرض.
وللجواب عن هذا نقولُ: إنَّ أرواح الأنبياء في أعلى عليين، فيجوزُ أنْ تكون أرواحهم تشكَّلت بصورة أحسادهم؛ تشريفًا وتكريمًا للقاء القادم الكريم، ويجوزُ أنْ يكونوا بُعِثُوا من قبورهم وحلَّت أرواحهم في أجسامهم استعدادًا للقاء النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم عادت أجسامهم إلى قُبورهم، وبقيت أرْواحهم في مُستقرِّها من السماء، ولا تستَكثِر شيئًا على قُدرة الله - سبحانه - وليكنْ في عقلك فسحة لهذا وأمثاله.
ومثل هذا يُقال أيضًا في اجتماعهم بالنبيِّ ببيت المقدِس وصَلاته بهم وثَنائهم على ربِّهم، والذي أميلُ إليه هو التوجيه الأول، وتشكُّل الأرْواح بصُورة الأجساد أمرٌ غير مُستَغرَب ولعلك على ذُكرٍ ممَّا ذكَرْناه لك سابقًا عن الإمام ابن القيِّم من وُجود الارتباط القويِّ بين أرواح النبيين وأجسادهم، وأنهم بهذا الارتِباط يكون منهم بعض التصرُّفات التي لا تكون إلا من الأحياء، ولله في ملكوته الذي لا يحيطُ به إلا هو آيات وعجائب، وما خَفِيَ علينا أكثر ممَّا علمنا، والليلة كانت مليئةً بالعجائب وخوارق العادات، وكل ما حدَّث به النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصحَّ ثُبوته عنه فهو حقٌّ لا شكَّ فيه، وصدق الله {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم: 11 - 12] ، {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 17 - 18] .
قد يقول قائل: لِمَ أُسرِي بالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى بيت المقدِس ثم عُرِجَ به من هُناك؟ ولِمَ لم يعرج به من مكَّة أشرف البِقاع وأحبِّها إلى الله؟
وقد أبان السرَّ في هذا الشيخ الإمام أبو محمد بن أبي جمرة في كتابه"بهجة النفوس"، فقال ما خُلاصته مع التوضيح: إنَّ الحكمة في الإسراء برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى بيت المقدِس قبل العُروج به إلى السماء إقامة الحجة على المشركين والمتشكِّكين؛ لأنَّه لو عرج به من مكَّة إلى السماء لم يجدْ لِمُراغمة الكفَّار والضعفاء سبيلًا إلى إلزامهم بالحجَّة؛ إذ لا علم لهم بالعالم المعلوم حتى يسألوا عنه فيجيبهم بما يُقِيم عليهم الحجَّة، بخِلاف ما وقع بالفعل، فإنَّه لما ذكر أنَّه أُسرِي به إلى بيت المقدس سألوه أنْ يصف لهم بيت المقدس، وكانوا يعرفونه في تجاراتهم وأسفارهم، ويعلمون أيضًا أنَّ النبيَّ لم يكن رآه من قبلُ، فلمَّا أخبرهم بأوصافه كان ذلك أكبر آية على صِدقه فيما ذكَر