فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 68

ثم ما هذه البِدعة السيِّئة، بدعة أنَّ الخبر ما دام لم يتواتَرْ لا يقبل ولا يُؤخَذ به، ولو أنَّ كلَّ مسألةٍ من مسائل العلم والمعرفة لم نكتفِ فيها إلا بالتواتُر لما سَلِمَ لنا من المعارف إلا القليل، بل لو أنَّنا طبَّقنا هذه القاعدةَ على علم التاريخ والأخبار والآداب لما سلم لنا منها إلا شيء أقل من القليل.

على أنَّه لا ينبغي أنْ يَغِيبَ عن ذِهن القارئ الفَطِن أنَّ الرِّواية في الإسلام بشُروطها؛ من اتِّصال الأسانيد، ونقل العُدول الضابطين عن مِثلهم إلى آخِر السند، والحفظ واليقظة وعدم الغفلة - ضَمانات كافية لتُرجِّح الصدق والصواب ترجيحًا قويًّا على الكذب والخطأ، وتُرجِّح الحِفظ والضَّبط على جانب الغَفلة والسَّهو، وأنَّ أئمَّة الحديث بذلوا جُهدًا جبَّارًا في غربلة الأحاديث وتنقيتها ممَّا عسى أنْ يكون علق بها، ونقْد الرواة نقدًا لم تبلغْه أمَّة من الأمم لا في القديم ولا في الحديث، وها أنت قد سمعتَ آنفًا ما ذكَرَه أئمَّة الحديث وجَهابذته من أنَّ الكثير منها يَكاد يبلُغ مَبلَغ المتواتر، وأنَّ بعضها تواترت به بالفعل.

ولو أنَّ هؤلاء المنكِرين أو المشكِّكين في المعجِزات الحسيَّة تناوَلوا الرِّوايات الحديثيَّة بمثْل ما تناوَلَها به عُلَماء أصول الرِّواية، ونظَرُوا فيها بمنظارهم الدَّقيق الحَصِيف، وتذوَّقوها بذَوْقِهم السَّلِيم، لعرَفُوا الحقَّ ثم اعترَفُوا به.

وبعضُ هؤلاء المنكِرين لا حجَّة لهم إلا استبعادها وزعْمهم أنَّ العقل لا يُسلِّم بها، وإنِّي أقول لهؤلاء: إنَّ تحكيمَ العقل في الغيبيَّات وخَوارق العادات ليس من الحِكمة في شيءٍٍ، وللعقل منطقتُه التي لا يتجاوَزُها، ورَحِمَ الله إمامَنا الشافعي حيث يقول:"كما أنَّ للبصر مجالًا لا يعدوه فكذلك للعقل مجالٌ لا يتجاوَزُه"، ولو أنَّ كلَّ شيءٍ لا يقَعُ تحت الحس أو لا يستسيغُه العقل أو يُخالِف المألوف والعادة نُنكِره، لوقعنا في مَتاهاتٍ من الضلال والغيِّ، والجحود والإنكار، وقُصارى القول أسوقُ للقاري البصير هذه الحكمة الخالدة وهي أنَّ كلَّ شيءٍ أخبر الشارع بوُقوعه فهو في دائرة الإمكان، ومن يدَّع الاستحالة فعليه البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت