ثم جاء له بالبراق، وهو خلقٌ من مخلوقات الله العجيبة على صُورة الحيوان، لكنَّه ذو سرعةٍ فائقة وقُدرةٍ خارقة على قطع المسافات الشاسعة كالبرق، بل هو أشدُّ منه في الإسراع، حتى أنَّه ليضع قدَمَه عند منتهى الإبصار، وأخلِقْ بمِثله أنْ يَطوِى الفَيافِي والقِفار، في ساعةٍ من ليل أو نهار.
فركبه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسارَ به وهو مزهوٌّ بهذا الشرَف الرفيع، وجبريلُ الأمين آخِذٌ بالرِّكاب الكريم، وفي الطريق مَرَّ الأمين والأمين [1] بأرضٍ ذات نخلٍ وزروع، فقال جبريل للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم: انزِل فصَلِّ، فنزل فصلَّى، فقال له جبريل: أتدري أين صليت؟ قال: (( الله أعلم ) )، قال: صليت بطَيْبة [2] ، وإليها المهاجرة، ثم سارَا، فقال جبريل للنبي: انزِل فصَلِّ، فنزل فصلَّى، فقال له جبريل: أتدري أين صليت؟ قال: (( الله أعلم ) )، قال لقد صليت بطور سيناء حيث كلَّم الله موسى تكليمًا، ثم سارا، فقال جبريل للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم: انزِل فصَلِّ، فنزل فصلَّى، فقال له جبريل: أتدري أين صلَّيت؟ قال: (( الله أعلم ) )، قال: لقد صليت ببيت لحم حيث وُلِد عيسى - عليه السلام [3] .
وما زال البراق يَطوِى الأرض طيًّا، حتى أتى بيت المقدس فربَطَه رسولُ الله بالحلقة التي كان يربطه بها الأنبياء قبله، ثم دخَل المسجد الأقصى فوجد الأنبياء في استِقباله؛ ترحيبًا بالقادم الكريم، ثم أُقِيمت الصلاة، فتدافعوا أيُّهم يُصلِّي إمامًا، فأخَذ جبريل بيد النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقدَّمَه إمامًا، فصلَّى بهم ركعتين [4] ، فلمَّا قضيت الصلاة وقد بلَغ العطش من النبي أشُدَّه، جاءَه جبريل بإناءٍ من لبن، وإناءٍ من خمر، فاختار اللبن، فقال له جبريل: اخترت الفطرة ولو اخترت الخمر لغوَتْ أمَّتك.
(1) الأمين الأول: هو نبيِّنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد عُرِف بذلك حتى قبل البَعثة، والأمين الثاني: هو جبريل؛ لأنَّه أمين الوحي.
(2) طَيْبة هي المدينة المنورة، وإليها كانت هجرة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.
(3) ورد ذكر الصلاة في هذه المواطن الثلاثة في"سنن الترمذي".
(4) في"صحيح مسلم": (( وقد رأيتني في جماعةٍ من الأنبياء، فإذا موسى قائمٌ يُصلِّي فإذا رجلٌ ضرب جعد كأنَّه من شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم - عليه السلام - قائمٌ يُصلِّي أقرب الناس شبهًا به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم - عليه السلام - أشبه الناس به صاحبكم - يعني: نفسَه، صلَّى الله عليه وسلَّم - فحانت الصلاة فأممتهم ) )؛"مسلم بشرح النووي"ج 2 ص 238.