وذلك أن أساس الصفة أو الخلق أو السجية أو الطبيعة أن تكون في الباطن لا في الظاهر، ومهما حاول الإنسان إخفاءها والتعمية عنها، فلا بد إلا أن تظهر
قال صلى الله عليه وسلم (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) .
(ثوب الرياء يشف عما تحته) وفي أمثال العرب:
(إن الزجاجة لتنمُّ عما فيها) .
الأخلاق تؤثر في السلوك، والسلوك يؤثر في الأخلاق:
عرفنا كيف تؤثر الأخلاق في السلوك.
فكيف يؤثر السلوك في الأخلاق؟
الآيات القرآنية تبين ذلك. قال الله تعالى في كتابه الكريم (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) التوبة 103. قال ابن سعدي في تفسيره هذه الآية الكريمة
(قال الله تعالى لرسوله؛ ومن قام مقامه، آمرًا له بما يطهر المؤمنين ويتم إيمانهم:(خذ من أموالهم صدقة) وهي الزكاة المفروضة. (تطهرهم وتزكيهم بها) أي: تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة) [1]
وهذا ما يقرر القاعدة التالية: خلُق الخير يدفع صاحبه إلى فعل الخير. وفعل الخير يطهر النفس من الشر.
لذلك حرص الإسلام على طهارة القلب وصفائة وسلامته من الآفات والعلل فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:"يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم". الشعراء: 89
وقال صلى الله عليه وسلم:"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله إلا وهي القلب"وقال:"إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" [2] وقد حض الإسلام على فعل الخير لتكتمل خيرية الطباع.
نتصور أن اثنين سارا في الطريق وشاهدا حادث تصادم بين سيارتين، فواحد منهما ربما يتأثر أكثر من الآخر ويبدي ألمه وتصدر عنه كلمات الرحمة والشفقة. والثاني يكون أقل درجة في التأثر من صديقه، مع أن الحادث واحد والمشاهدة واحدة، كل منهما رآها بعينيه وشهداها بإحساسه، فمن أين نشأ التفاوت في التعبير عن هذا الحادث؟ نشأ من الانفعال الداخلي، من عنصر الشفقة أو الرحمة. .
ولو أن هذين مرا على فقير من العمالة التي تؤدي مهمة النظافة، فهذه من المهن التي يستحق القائمون بها الصدقة أي، ليس ممن يتصنعون الفقر في العلانية مع احتمال غناهم سرًا، فربما مد أحد الصديقين يده
(1) تفسير ابن سعدي ط 1. ص. 460.
(2) رياض الصالحين ص 5.