وصورة المسألة المتفق عليها إذا قال أسلمت إليك هذا الثوب ولم يعرف ذرعه أو هذا القطيع من الغنم ولم يعرف عدده حيث يجوز بالإجماع.
استدل الصاحبان على الجواز في الصورة الأولى بأن الحاجة تدعوا إلى تعيين رأس المال، وهذا يحصل بالإشارة إليه، فلا حاجة إلى إعلام قدره، ولهذا لم يشترط اعلام قدر الثمن في بيع العين ولا في السلم إذا كان رأس المال مما لا ينتعلق العقد بقدره.
ولأبي حنيفة أن جهالة قدر رأس المال تؤدي إلى جهالة قدر المسلم فيه وأنها مفسدة للعقد فيلزم اعلام قدره صيانة للعقد عن الفساد ما أمكن، وبيان ذلك أن المسلم إليه ينفق رأس المال شيئا فيشيئا، وربما يجد بعض ذلك زيوفا ولا يستبدل له في مجلس الرد فيبطل العقد بقدر ما رده، فإذا لم يكن مقدار رأس المال معلوما لا يعلم مقدرا المردود ومقدار الباقي، فيصير المسلم فيه مجهول القدر، ولهذا لم يصح السلم في المكيلات بقفيز بعينه لأنه يحتمل هلاك القفيز فيصير المسلم فيه مجهول القدر فلم يصح، فكذا هذا.
ثانيًا: تسليم رأس المال ي مجلس العقد:
وهذا لأن السلم فيه دين، والافتراق بدون قبض رأس المال يكون افتراقا عن دين بدين، وهو منهي عنه لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ.
وأيضا فإن اسم هذا العقد دليل على هذا الشرط فإنه يسمى سلما وسلفا لغة وشرعا، والسلم ينبئ عن التسلم، والسلف ينبئ عن التقدم، فيقتضي لزوم تسليم رأس المال وتقدم قبضه على قبض المسلم فيه [1] ولا فرق في هذا الشرط بين أن يكون رأس المال عينا أو دينا عند عامة العلماء. والقياس أن لا يشترط قبضه في المجلس إذا كان عينا وهو قول مالك رحمه الله.
وجه القياس: أن اشتراط القبض للاحتراز عن الافتراق عن دين بدين، وهذا افتراق عن عين بدين وهو جائز.
وجه الاستحسان: أن رأس مال السلم يكون دينا عادة، ولا تجعل العين رأس مال للسلم إلا نادرًا، والنادر حكمه حكم الغالب فيلحق بالدين،. ولأن مسمى العقد الدال على هذا الشرط لا يوجب الفصل بين الدين والغين على ما ذكرنا.
إذا تقرر ما سبق من اشتراط قبض رأس المال في مجلس العقد، فإنه لا فرق في القبض بين أن يكون في أوله أو آخره إلى أن يفترقا بأبدانهما، حتى لو لم يقبض المسلم إليه رأس المال حتى قاما يمشيان فقبض قبل الافتراق بأبدانهما جاز.
وهل يجوز استبدال رأس المال في مجلس العقد؟
(1) بدائع الصنائع 5/ 202.