يجوز الفِطر للمسافر باتفاق الأمة، سواء كان قادرًا على الصيام أو عاجزًا، وسواء شقَّ عليه الصوم أو لم يشقَّ؛ بحيث لو كان مسافرًا في الظل والماء، ومعه من يخدمه، جاز له الفِطر والقَصر، ومن قال: إن الفطر لا يجوز إلا لمن عجَز عن الصيام فإنه يُستتاب، وكذلك من أنكر على المُفطِر فإنه يستتاب من ذلك، فإن هذه الأحوال خلاف كتاب الله، وخلاف سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلاف إجماع الأمة؛ اهـ [1] .
أحوال الناس في الصيام في السفر، ومتى يكون الأفضل الصوم أو الفطر؟
للناس في الصيام في السفر خَمسة أحوال:
الحال الأولى: مَن يتضرَّر بالصيام، فهذا يُكره له الصيام، وإن صام أجزأه، وذهب بعض العلماء إلى تحريم الصيام عليه، وعلى هذا يُحمل ما رواه جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرَج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، [فقيل له: إن الناس قد شقَّ عليهم الصيام، وإنما يَنظُرون فيما فعلت، فـ] دعا بقدح من ماء [بعد العصر] فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: (( أولئك العُصاة، أولئك العُصاة ) )؛ رواه مسلم [2] .
الحال الثانية: مَن يشقُّ عليه الصيام ولا يتضرَّر به، فهذا يُكره له الصيام أيضًا، وإن صام أجزأه، وعلى هذا يُحمل ما رواه جابر - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، فقال: (( ما هذا؟ ) )، فقالوا: صائم، فقال: (( ليس من البرِّ الصوم في السفر ) )؛ متفق عليه [3] .
الحال الثالثة: مَن لا يشق عليه الصيام، ولكن يشق عليه القضاء؛ كالذي يكون مشغولًا في غير رمضان بوظيفة أو سفر فيشقُّ عليه القضاء، أو يَنشط في الصيام مع الناس ولا ينشط وحده، أو أن عنده عبادات أو أعمالًا أخرى في فِطره تستغرق أكثر وقته ويشقُّ عليه القضاء في هذه الحالة؛ فالأفضل لهذا أن يصوم في السفر.
(1) مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 25: 210.
(2) رواه مسلم في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفِطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية 2: 785 (1114) ، وما بين معقوفين من رواية أخرى له.
(3) رواه البخاري في كتاب الصوم، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن ظُلِّل عليه واشتدَّ الحر: (( ليس من البر الصوم في السفر ) )2: 687 (1844) ، ومسلم في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر 2: 786 (1115) .