الحال الرابعة: من يستوي عنده الأمران الصيام وعدمه، ولا يشقُّ عليه القضاء، فقد اختلف العلماء في الأفضل له، والصحيح أن الأفضل له الفِطر، وهو مذهب الإمام أحمد، وقول ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والأوزاعي وإسحاق وابن خزيمة وابن حبان، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخُنا ابن باز، واللجنة الدائمة للإفتاء.
وذلك لأنه يَستمتِع برخصة الله - تعالى - وفي حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يحب أن تؤتى رُخصُه، كما يَكره أن تؤتى معصيته ) )؛ رواه أحمد وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان [1] ، ويدل عليه أيضًا قوله - تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] ؛ حيث جعل الأصل للمريض والمسافر الإفطارَ؛ لأنه نقله مباشرةً إلى القضاء، ولم يخيِّره في الصيام وعدمه، ولولا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنه - كان يصومون في السفر لكان لمن قال بوجوب الفطر وجهٌ من هذه الآية الكريمة.
الحال الخامسة: أن يستفيد المسافر بالفِطر زيادة عبادة أو مصلحة، كأن يتقوَّى به على الجهاد، أو على أداء العمرة أول ما يدخل مكة نهارًا؛ لأن الابتداء بها أول قدومه هو السنَّة، أو أدائها على وجه أتمَّ مما لو أداها صائمًا، أو يكون لو أداها صائمًا شق عليه، فالأفضل له في هذه الحال الفِطر كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه - رضي الله عنه - بالفطر في فتح مكة [2] .
وقت جواز الفطر للمُسافر:
يجوز الفِطر للمُسافر من أول ما يخرج من بلده ولو كان قد ابتدأ الصيام، كما يجوز له الفِطر أثناء السفر، والفطر إذا أقام ببلد إقامة لا تمنَع قصر الصلاة كاليوم واليومين والثلاثة ونحوها.
وله الفطر أيضًا في رجوعه، وإذا دخَل بلده مُفطرًا فله أن يُتمَّ فطره ولا يلزمه الإمساك على الصحيح من قولي العلماء، وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد؛ لأنه لا دليل
(1) رواه أحمد 2: 108، وصحَّحه ابن خزيمة 2: 73 (950) ، وابن حبان 6: 451 (2742) ، ورواه البيهقي في السنن الكبرى 3: 140، والبزار في مسنده 2: 255 (5998) ، قال النووي (خُلاصة الأحكام 2: 729) : رواه البيهقي بإسناد جيد، وقال المنذري (الترغيب والترهيب 2: 87) : رواه أحمد بإسناد صحيح، والبزار والطبراني في الأوسط بإسناد حسن، وصحَّحه الألباني في إرواء الغليل (564) .
(2) رواه مسلم في كتاب الصيام، باب أجر المُفطِر في السفر إذا تولى العمل 2: 789 (1120) ، وسيأتي بتمامه - إن شاء الله - في هذا الكتاب (الفصل السادس عشر: معارك العزة في رمضان - فتح مكة) .