فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 89

تعجيلها بهذا القدر لا يُخِلُّ بالمقصود منها، فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد، فيستغنى بها عن الطواف والطلب فيه، ولأنها زكاة فجاز تعجيلها قبل وجوبها كزكاة المال" [1] ."

ومن الملاحظ هنا أن التقصيد الجزئي له دور في تحديد زمان الفعل؛ فإن التوسعة في التعجيل بإخراج زكاة الفطر لا يجوز أن تؤثر في المقصد من الحكم الشرعي، وهو إغناء الفقير عن الطواف في ذلك اليوم، فيكون تحديد زمن التعجيل متوقفًا على مدى تحقق المقصود من الحكم.

وبناءً على ذلك، لو وُجدت ظروف ما تتصف بالتعقيد والتشابك بحيث تأخذ من الوقت الكثير أو أكثر من يومين أو ثلاثة في إيصال الزكاة لمستحقيها، فلا يجوز إخراجها بما يؤخرها عن وقتها، بل يتم إخراجها لتصل إلى مستحقيها في وقتها، في ضوء رعاية الواقع وتقديره، وتحقيقًا لمقصد الحُكم.

ثالثًا: ختان الإناث:

وهذا نموذج معاصر دار حوله كثير من الجدل، واتخذه البعض ذريعة للقول باضطهاد المرأة وتعذيبها، ومن الفقهاء المعاصرين مَن ذهب للقول بأنه تشويه وتغيير لخلق الله، باعتبار أن الأصل في جسد الإنسان الحرمة، وترك ما خلقه الله على ما خلقه وعدم تغييره، وبناءً على ذلك يكون ختان المرأة أو خفاضها بقطع جزء من جسمها بغير مسوغ يوجبه - أمرًا غير مأذون به، أو محظورًا شرعًا [2] ، في حين أننا لو نظرنا إلى مقصد الحكم لهان الأمر.

ولقد سئل الإمام ابن تيمية عن المرأة: هل تختتن أم لا؟

فأجاب يرحمه الله:"نعم تختتن، وختانها أن تقطع أعلى الجلدة التي كعرف الديك؛ قال رسول الله للخافضة وهي الخاتنة: (( أشمي ولا تُنهكي؛ فإنه أبهى للوجه، وأحظى لها عند الزوج ) )، يعني لا تبالغي في القطع؛ وذلك أن المقصود بختان الرجل: تطهيره من النجاسة المحتقنة في القلفة، والمقصود من ختان المرأة: تعديل شهوتها؛ فإنها إذا كانت قلفاءَ كانت مغتلمة شديدة الشهوة ... وإذا حصَلت المبالغة في الختان ضعُفت الشهوة، فلا يكمل مقصود الرجل، فإذا قطع من غير مبالغة حصل المقصود باعتدال" [3] .

(1) المغني: 2/ 676، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1405 هـ، ومن المسائل التي لعب التقصيد الجزئي دورًا في تحديد زمنها عند الحنابلة: تعزية أهل الميت؛ حيث يرى الثوري أنه لا يستحب بعد الدفن؛ لأنه خاتمةُ أمره، قال ابن قدامة:"والمقصود بالتعزية تسلية أهل المصيبة وقضاء حقوقهم، وسواءٌ في ذلك قبل الدفن وبعده"، المغني مع الشرح الكبير: 2/ 408.

(2) ممن قال بهذا شيخنا د. يوسف القرضاوي، انظر فتاوى معاصرة: 4/ 519 - 520، وراجع كتابه: الحكم الشرعي لختان الإناث، مكتبة وهبة، القاهرة.

(3) مجموع الفتاوى: 21/ 114، والحديث رواه أبو داود في سننه: كتاب الأدب، باب ما جاء في الختان، بلفظ: (( لا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل ) )، وقال: ليس بالقوي، قال ابن حجر:"وله شاهدان من حديث أنس ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب"العقيقة"، وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي"، فتح الباري: 10/ 340، دار المعرفة، بيروت، 1379 هـ، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، وصححه السيوطي في الجامع الصغير، حديث رقم (297) ، وقال الهيثمي: إسناده حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت