لاشك أن التطبيق الميكانيكي والتسلطي للشعارات العلمانية لفترة زمنية طويلة في
تركيا هو الذي أوجد حالة من الاغتراب الثقافي وخلق أزمة هوية شعرت بها مختلف الفئات الاجتماعية، خصوصا الطبقات الوسطى والكادحة، وهو عامل ساعد على توليد آليات ضغط شعبي للمطالبة بتوسيع نطاق الحريات الدينية والسماح لها بممارسة الشعائر الإسلامية، ولا جدال في أن وجود هذه الحال المجتمعية الرافضة للاغتراب والراغبة في استعادة هويتها الثقافية والدينية مهد في ما بعد لقيام أحزاب سياسية ذات مرجعية إسلامية، على رغم من أن هذه الأحزاب لم تبدأ بالظهور إلا عام 1970، حين قام (نجم الدين أربكان) بتأسيس"حزب النظام الوطني"، ومعنى ذلك أن تيار الإسلام السياسي في تركيا يعد في الواقع تيارة حديث النشأة إذا ما قورن بالدول العربية والإسلامية الأخرى، وهو ما من شأنه طرح تساؤلات عديدة حول أسباب النجاح المذهل الذي حققه في تلك الفترة الوجيزة نسبية والتي لا تزيد عن ثلث قرن.
2 -مرکزية الدولة التركية
التحول النوعي في السياسة الخارجية التركية، يكمن في استطاعة حزب العدالة والتنمية أن يدرك بشكل متميز الهوية الوطنية لتركيا، من حيث هي أوروبية وشرق أوسطية أيضا، وأن يبلور الأسس الجديدة للسياسة الخارجية التركية، التي تستند على الركائز المعروفة في العلوم السياسية مثل: التحالفات الدولية والموقع الجغرافي والإمكانات البشرية والاقتصادية، فضلا عن الروابط التاريخية لتركيا في محيطها الإقليمي والدولي، ودورها الكبير في رسم السياسة الإقليمية لتركيا.