ونضاعف تجربتهم في البلاد وأهلها، أن يكون استعادة الفتح أسهل من الفتح لا أصعب منه وأسرع في استعادة الفتح من الفتح لا أبطأ منه، وأن تكون الخسائر بالأرواح والأموال أقل في استعادة الفتح لا أكثر منها في الفتح، وبخاصة أن أهل البلاد لم تتطور قوتهم الضاربة بعد الفتح ولا في أيام استعادة الفتح، فما تغير أهل البلاد، ولكن الفاتحين في أيام استعادة الفتح غيروا ما بأنفسهم، فتزعزعت معنوياتهم التي كانت الحافز الأول للفتح، وضعفوا واستكانوا ولم يفلحوا أبدا.
لقد كان المسلمون أيام الفتح محررين كما رآهم أهل البلاد، فأصبحوا أيام استعادة الفتح مستعبدين في نظر أهل البلاد، لأن المسلمين كانوا يطبقون الحرب العادلة نصا وروحا في أيام الفتح، تلك الحرب التي تنص عليها تعاليم القتال في الإسلام، فكانوا محررين للشعوب حقة، هدفهم إعلاء كلمة الله ونشر الفضيلة والتسامح والإخاء والمثل العليا بين الناس، فلا عجب أن يدخل الناس في دين الله أفواجا، وأن يقبلوا على تعلم العربية الفصحى لأنها لغة الكتاب العزيز ولغة الإسلام ولغة الفاتحين، رهبان الليل فرسان النهار الذين كانوا يمثلون تعاليم الإسلامي في تطبيقها العملي بشرة سوية يمشون على الأرض ويأكلون الطعام کسائر البشر، فكان الفتح فتح مبادئ لا فتح سيوف، لذلك كان فتحة سهلا سريعة ميسرة.
وقال قائل أهل البلاد المفتوحة من إرمينية: والله لأنتم أحب إلي مملكة من آل كسرى، والله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم ووقى ملككم (1) ، وكان هذا القائل هو شهر براز ملك مدينة (باب الأبواب الذي تولى الملك
على عهد کسري قبل أن يفتح المسلمون بلاده، وتولى على عهد المسلمين الفاتحين، مجرب ?خم کسري، ثم جرب حكم المسلمين، فقال ما قاله نتيجة لتجربته لا نتيجة لعاطفته
(1) الطبري (4/ 109) .