إلى قلب فرنسا غربا، ومن سيبيريا شمالا إلى المحيط جنوبا، وإنما كانت سلطة الخلافة بالتمسك بروح الإسلام الذي جعل الجهاد فريضة على القادرين على الجهاد بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وأمر بالوحدة ونهي عن الفرقة، وحارب العصبية والتعصب، وحارب الاتجاه نحو المادة تطاولا في البنيان واكتنازة للأموال والجشع والترف.
وليست بي حاجة إلى تعداد المآسي والفتن التي حاقت بالعرب في تلك السنين التي انحرف المسلمون أو أكثرهم عن دين الله، فغيروا ما بأنفسهم، فقد قامت الدولة العباسية سنة اثنتين وثلاثين ومئة الهجرية (749 م) ، وقتل مروان بن محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية شريدة طريدة في مدينة نائية من مدن مضر سنة اثنتين وثلاثين ومئة الهجرية، وبانقضاء عهد بني أمية انقضى عهد الدولة العربية التي كانت تؤمن بأن العرب مادة الإسلام، وبقيام الدولة العباسية تزعزع مركز العرب وارتفع شأن الفرس لأنهم أعانوا على قيامها بقيادة أبي مسلم الخراساني الذي نفذ التعليمات الصادرة إليه وبالغ بتنفيذها، وكان نص تلك التعليمات في خطاب موجه إلى أبي مسلم الخراساني: «إنك رجل منا وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله ... (1) ، فقتل مئات الألوف من العرب الفاتحين صبرة وغدرة في راسان وغيرها من أقطار المشرق الإسلامي، وساد العنصر غير العربي على العنصر العربي بالعصبية والتعصب لا بتطبيق تعاليم الإسلام.
وبدأ بقيام الدولة العباسية عصر التنافس بين العرب وغيرهم، ودام هذا التنافس حتى توفي المعتصم العباسي سنة سبع وعشرين ومئتين الهجرية (2) (841 م) ، وفي هذا العصر أصبحت الدولة الإسلامية الواحدة دولا، وضعف
(1) ابن الأثير (5/ 348) .
(2) العبر (1/ 400)