ماذا تريد أن تصنع؟! قال: «أريد بنجر) والترك» . قال: «إنا النرضى منهم أن يدعونا من دون (الباب) » !، قال عبد الرحمن: الكنا لا نرضى منهم ذلك حتى نأتيهم في ديارهم. وتالله إن معنا الأقواما لو بأذن أميرنا في الإمعان لبلغت فيهم (الردم) (1) ، قال الملك: «وما هم؟!» ، فأجابه عبد الرحمن: «أقوام صحبوا رسول الله، ودخلوا في هذا الأمر بنية، كانوا أصحاب حياء وتكرم في الجاهلية، فازداد حباؤهم وتكرمهم، فلا يزال هذا الأمر دائمة لهم، ولا يزال النصر معهم حتى بغيرهم من يغلبهم، وحتى يلفتوا عن حالهم (2) .
وغزا عبد الرحمن بنجر) غزاة في زمن عمر بن الخطاب، فقال الترك: اما اجترا علينا إلا ومعه الملائكة تمنعهم من الموت، فهرب منه الترك ونخصنوا فرجع بالغنيمة والظفر، بعد أن بلغت خپله (البيضاء) على رأس مائتي فرسخ من (بلجر) ، وعادوا ولم يقتل منهم أحد (3) .
ومن الواضح أن معنويات المسلمين كانت عالية جدا، لنتابع انتصاراتهم، ولتمسكهم بدينهم؛ كما أن معنويات الأمم التي حاربوها كانت منهارة، لأن المسلمين غلبوا الأمم التي قاتلوها. لذلك هرب الأتراك من المسلمين وتحصنوا، فلم يحدث قتال فعلي في هذه الغزوة، فلم يسقط من المسلمين شهيد.
وكثيرا ما تنتصر الجيوش بالزعب، كما كان يعبر عنه العرب الأقدمون، ومعناه: ارتفاع معنويات المنتصر، وانهيار معنويات المغلوب، فينتصر المنتصر بمعنوياته العالية، ويقهر المغلوب برعبه من عدوه المنتصر.
(1) في ابن الأثير (29/ 3) : الرذم، وهذا تصحيف. والردم: بقصد به سد الصين، قال تعالى: (قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردمام، والآية الكريمة من سورة الكهف(14: 18) .
(2) الطبري (3/ 237 - 238) وابن الأثير (29/ 3 - 30) .
(3) الطبري (3/ 238) وابن الأثير (3/ 30) .