والآخرة، فجميع التشريعات المأمور بها شرعا تمثل أساس الأمر ... في تشريع أحكام المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية.
الأساس الثاني هو الحظر: ويتمثل في تحريم الربا وسد الذرائع الموصلة إليه، وحظر سائر العقود والمعاملات المفضية إلى النزاع والخلاف بين المسلمين كالغش والغرر والظلم ونحوها، كما نصبت الشريعة الوعيد الشديد على من فعل شيئا من ذلك لاسيما الربا والظلم وأكل الباطل، ... فهذه التشريعات ـ أعني المناهي الشرعية في المعاملات المالية ـ تمثل أساس الحظر في تشريع نظام المعاملات المالية في الشريعة الإسلامية.
وعلى صعيد الأضرار الاجتماعية للتعامل بالربا نجد أن أكل الربا (يولد في الإنسان حب الأثرة والأنانية فلا يعرف إلا نفسه، ولا يهمه إلا مصلحته ومنفعته، وبذلك تنعدم روح التضحية والإيثار، وتنعدم معاني حب الخير للأفراد والجماعات، وتحل محلها حب الذات والأثرة والأنانية، وتتلاشى الروابط الأخوية بين الإنسان وأخيه الإنسان ... فإنه يولد العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع ويدعو إلى تفكيك الروابط الإنسانية والاجتماعية بين طبقات الناس، ويقضي على كل مظاهر الشفقة والحنان والتعاون والإحسان في نفوس البشر ... وكفى المرابي مقتا وهوانا أنه عدو لمجتمعه ولأبناء وطنه، بل إنه عدو للإنسانية لأنه يمتص دماء البشر عن طريق استغلال حاجتهم واضطرارهم) [1] ، ومن جانب آخر فإن تفشي (الربا هو السبب الرئيس في انتشار الجريمة والانتقام ... بين أصحاب رؤوس الأموال وكبار المرابين، مما يكون سببا في رفع الأمن وبسط الخوف والذعر في المجتمعات) [2] .
ومن تأمل سياق نصوص القرآن في تشريع المعاملات المالية في جانبي الحظر والأمر، ... وكذا ما ورد في السنة المطهرة فإنه سيلحظ الارتباط الموضوعي الوثيق بين هذين الجانبين، ... فلا تكاد تجد القرآن الكريم يحظر معاملة ويتوعد فاعلها إلا وهو يأمر في مقابل ذلك بالصدقة والإحسان والإرفاق، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الربا والمحظورات الشرعية المالية إنما تصدّع العلاقات الاجتماعية
(1) - روائع البيان .. محمد علي الصابوني (1/ 395 - 396) .
(2) -مقالة بعنوان"الربا .. آثام وأضرار".. إبراهيم بن محمد الحقيل، مجلة البيان، سنة 16، ع 166، جمادى الآخرة 1422 هـ/ سبتمبر 2001 م.