فإن المؤسسة المالية تسعى من خلال أنشطتها وأعمالها إلى تحقيق أعلى معدلات ربحية ممكنة، وفي سبيل ذلك فإن إدارة المؤسسة تقوم برسم السياسات الاستثمارية العامة للنشاط العام خلال السنة المالية، بحيث يتم من خلالها توزيعات تشغيل رأس المال وفق عدد من مجالات الاستثمار.
فإذا فُرض أن مؤسسة مالية إسلامية حددت سياستها الاستثمارية للسنة المالية وفقا للنسب التالية: {عمليات مرابحة (80 %) ، أسهم (10 %) ، مضاربات (7%) ، تجارة عملات (3%) } ، فإن دور الهيئة الشرعية يتمثل في بيان أن إغراق المؤسسة المالية في عمليات المرابحة ـ بنسبة تصل إلى (80%) من إجمالي عملياتها ـ يعدّ إخلالا في أهداف التنمية للمؤسسة من المنظور الإسلامي، ... إذ إن المرابحات ـ بجميع صورها وأشكالها ـ مع التسليم بإباحتها شرعا ـ إلا أنها ينبغي ... أن تُضبط بنسب معينة؛ بحيث لا تكون هي المرتكز الذي تقوم عليه عمليات المؤسسة وأنشطتها المالية [1] ، إذ يرى المعاصرون من الفقهاء والخبراء أن الإغراق في المرابحات ـ باعتبارها عمليات تمويلية بحتة ـ له آثاره السلبية على المجتمع، والمتمثلة في تحويل جمهور عريض من أفراد المجتمع إلى مدينين يستمرئون الدَّيْن، ويسعون بواسطته إلى تحصيل الكماليات والفضول والزينة والترف، وهذا يتنافى مع تشديد الشريعة بأمر الدَّيْن من جهة، كما ترده مقاصد الشريعة من جهة أخرى؛ والتي تحث المكلفين على فضل الرضا بتحصيل الضروريات والحاجيات؛ دون الركون إلى تحصيل الفضول والكماليات؛ لاسيما إن كانت على سبيل المبالغة والإسراف.
هذا إلى جانب ما يوحي به الإغراق في مثل هذه المعاملات من التشكيك ... في مصداقية المؤسسة المالية الإسلامية من جهة رسالتها وأهدافها في التنمية، والتي تناظر معاملاتها ـ إلى حد كبير ـ التمويل الربوي، وذلك باعتبار أن المعاملتين ـ المرابحة والربا ـ تعتبران ... من عمليات التمويل المحض [2] .
(1) - إن التركيز على منتج واحد بحيث يشغل حيزا واسعا من مجموع الاستثمارات يعد من مخاطر الأعمال من الناحية الاستثمارية والاقتصادية معا، فإنه لو طرأ الفشل على هذا المنتج فإن تضرر المؤسسة المالية به سيكون كبيرا، وقد يؤدي إلى انهيارها وإفلاسها، ومن ثم فإنه لابد ـ من الناحية الاقتصادية ـ من توزيع المخاطر بنسب متقاربة في عدد من المنتجات.
(2) - انظر ورقة صالح الحصين المقدمة للمؤتمر الأول للهيئات الشرعية، وفيها ركز على انصراف البنوك والمؤسسات المالية الاستثمارية عن مسار الاستثمار الإنتاجي الذي يحقق التنمية الحقيقية المقصودة في الإسلام لتركن إلى المسار التمويلي الذي أشبه ما يكون بالمسار الربوي من جهة التمويل دون التنمية، وقد عنّف فضيلته على مسار المؤسسات المالية الإسلامية داعيا هيئات الهيئة الشرعية ... إلى أن تمارس دورها الرقابي في تصحيح ذلك الوضع الهجين بين القرض والاستثمار، وهو هجين يحمل معظم سمات القرض الربوي وعيوب النظام الرأسمالي، ويعجز عن إبراز معالم الاستثمار الإسلامي المبني على الاستثمار الحقيقي.
قلت: والحق أنه مع توفر القناعة اللازمة لعامة هيئات الهيئة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية بضرورة التحول التدريجي ... نحو التوازن في سياسات الاستثمار، لتنتقل المؤسسة من الأهداف الربحية البحتة إلى التوازن مع الهداف الاجتماعية وأهداف التنمية، إلا أن الواقع العملي ـ ومن خلال المقابلات الشخصية مع عدد من أعضاء الهيئات الشرعية ـ يرى ضرورة مراعاة المرحلة الراهنة في عمل المؤسسات المالية الإسلامية، إذ إنها في ظل التحديات المالية والمصرفية التي نشأت فيها وتبعا لمبدأ السياسة الشرعية فإنها تحتاج إلى أن تثبت وجودها ونجاحاتها المادية على الصعيد المحلي والإقليمي والعالمي، وذلك تحقيقا لمصالح شرعية ترجح على المفاسد المذكورة، كما أنه من المعلوم ـ من الناحية الفنية ـ أن ممارسة أسلوب المضاربة يتطلب كوادر فنية كبيرة لدى البنك الإسلامي تقوم بدور الإشراف والمتابعة الدائمة لمراحل عمل شركات المضاربة، وهذا غير متاح لسوق العمل المالي والمصرفي الإسلامي في المرحلة الراهنة، ومن جهة ثالثة فإن في تحميل الهيئات الشرعية وحدها عبء قيادة هذا التوازن أمر يفضي إلى المواجهة بين أعضاء الهيئة الشرعية والمساهمين، وأن هذا الحرج يمكن تجاوزه بواسطة التشريع الملزم عاما كان أو خاصا.