الأمانة، عفيفا عن المحارم متوقيا عن المآثم، بعيدا عن الريب، مأمونا في الرضا والغضب، مستعملا لمروءة مثله في دينه ودنياه، فإذا تكاملت فهي العدالة التي تجوز بها شهادته، وتصح معها ولايته، فإن انخرم منها وصف مُنع من الشهادة والولاية، فلم يسمع له قول ولم ينفذ له حكم) [1] ، وسر اشتراط العدالة في المفتي: (فلأن لا يرتكب ما لا تجوز الفتوى به قصدا أو تساهلا، فالقصد أن يتعمد ذلك لغرض فاسد، كأن يقصد ضرر أحد الخصمين، أو قصد نفع الآخر لعداوة أو صداقة، أو ليحصل له بذلك نفع من أجرة يأخذها .. ، أو ليكتسب جاها عند سلطان مثلا؛ بالترخيص له وما أشبه ذلك، والتساهل أن لا يتثبت فيفتي بلا إمعان نظر في المسألة) [2] .
وقد نص ابن فرحون على عدم جواز استفتاء من يتساهل في الفتوى، وفسر التساهل ... في الفتوى بأنه التسرع وعدم التثبت في إصدار الفتوى، ودون استيفاء الفتوى حقها من النظر والفكر، ورأى أن ذلك قد يصدر من المفتي لتوهمه بأن الإسراع يراعة والإبطاء منقصة، ... وهذا من الجهل، فلأن يبطيء ولا يخطئ أجمل من أن يعجل فيَضِل ويُضِل [3] .
ومن مظاهر العدالة في المفتي ـ ومثله المراقب الشرعي ـ (أن يكون مواظبا على سنن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وتقليم الأظفار، ونظافة الثياب وتقصيرها، والتعطر بالمسك ونحوه، وجميع سنن الشرع ومستحباته، ... هذا مع القيام على الفرائض والسنن الراتبة، فقد نقل عن بعض مذهب الشافعي ـ رضي الله عنه ـ أن العدل إذا أصر على ترك السنن الراتبة كان ذلك قادحا في عدالته) [4] .
ومن أدب المراقب الشرعي وأخلاقه"التواضع وعدم الكبر"، وأن يكون عاملا بعلمه، ممتثلا الأمر والنهي في نفسه، وليكن من آدابه وخصاله (الرفق واللين
(1) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 84.
(2) - الفتاوى الفقهية في أهم القضايا في عهد السعديين .. لحسن اليوبي ص 105 - 106، نقلا عن كتاب: شرح الهلالي على مختصر خليل (طبعة حجرية بفاس) ص 108 - 109.
(3) - تبصرة الحكام لابن فرحون (1/ 65) .
(4) - معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة (ص 13) ، وقد جاء فيه: (أن رجلا حضر عند السلطان محمود بمدينة غزنة؛ ... يطلب الحسبة، فنظر السلطان إليه، فرأى شاربه قد غطى فاه من طوله، وأذياله تسحب على الأرض، فقال له: يا شيخ امضِ واحتسب على نفسك، ثم عُد واطلب الحسبة على الناس) ، وانظر مجلة الاقتصاد الإسلامي، الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية، محمد عبد الحكيم زعير، ص 36، ع (203) ، السنة (17) ، شوال 1418 هـ/فبراير 1997 م.