هذا عين المتنازع فيه. ولا يمكن جعله مقدمة في إثبات المتنازع. وإن أردتم بضد الصفة معنى وجوديا، منافيا لتلك الصفة على وزان المنافيات الحاصلة من السواد والبياض. فلم قلتم: أن السمع والبصر ضدان بهذا المعنى؟ ولم لا يجوز أن يقال: أن المعنى عبارة عن عدم البصر عما من شأنه أن يبصر، والصمم عبارة عن عدم المسع عما من شأنه أن يسمع؟ فأنتم في هذا المقام محتاجون إلى اثبات أن الصمم والعمى معنيان موجودان، مضادان للسمع والبصر.
والفلاسفة ينازعون فيه أشد المنازعة. فإنهم يقولون: تقابل البصر والعمى، وتقابل السمع والصمم، تقابل العدم والملكة، لا تقابل الضدين. وقول من قال: ليس جعل العمى عد ما للبصر، أولى من العكس: ظاهر البطلان. لأنه أن أريد بعدم هذه الأولوية: عدمها في أذهاننا وعقولنا. فهذا مسلم، إلا أن هذا لا ينتج إلا أن نتوقف فيه، ولا نقطع على أحد الجانبين. وإن أريد بعدم هذه الأولوية عدمها في نفس الأمر وفي الحقيقة. فهذا ممنوع ولعل هذه الأولوية حاصلة في نفس الأمر، وأن منا لا نعرف كيفية تلك الأولوية.
أما المقدمة الثالثة-وهي أن بتقدير أن يكون العمى والصمم متقابلين تقابل التضاد-لم قلتم: إن كل ذات تكون قابلة للضدين بهذا التفسير، فإنه لا بد أن تكون موصوفة بأحدهما؟ ولم لا يجوز أن يقال: أنه قد تكون خالية عنهما؟ فهم مطالبون بإقامة الدلالة على اثبات هذه المقدمة.
ثم أنا ننقض هذه المقدمة: بأن الهواء خال عن جميع الألوان وعن جميع الطعوم، والحوادث قد لا يكون مريدا لأفعال أهل الفسوق ولا كارها لهان فبطلت هذه المقدمة.