فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 643

وأن قيل: لو كان النظر عبارة تقليب الحدقة، لكان معنى الآية: أنه تعالى لا يقلب حدقته إليهم. ومعلوم أن ذلك باطل.

قلنا: لو جعلنا النظر حقيقة في تقليب الحدقة، أمكن حمل قوله تعالى: (( ولا ينظر إليهم ) )على ترك الرحمة. أما لو جعلناه حقيقة في الرؤية، لا يمكن حمله على ترك الرحمة. فكان الأول أولى.

والذي يدل على ما قلناه: أن تقليب الحدقة إلى جانب الشيء لا يختاره الإنسان إلا إذا أحبه. ومتى أحبه فإنه يرحمه ظاهرا، فحصل بين تقليب الحدقة إلى جهة الشيء وبين أيضا الرحمة إليه هذه الملازمة.

وأيضا: تقليب الحدقة إلى جهة الشيء، وأيضا الرحمة إليه، فعلان اختياريان .. فحصل بينهما هذه المشابهة والملازمة. وكل واحد منهما سبب مستقل لحسن المجاز. أما لو جعلنا النظر عبارة عن الرؤية، لم يحصل بينه وبين الرحمة، لا الملازمة ولا المشاكلة. أما الملازمة فلأنه ليس كل ما يراه الإنسان أحبه، بل الذي يختاله الإنسان فإنه يحبه. لكن اختيار الرؤية، ليس إلا تقليب الحدقة نحوه. فثبت: أن حمل النظر على تقليب الحدقة أولى.

الحجة الثالثة: لو كان النظر عبارة عن الرؤية، لوجب أن يقال: رأيت إليه. كما يقال: نظرت إليه. وأجمع المفسرون على أن قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ} [الفرقان: 45] : مجاز. ولجاز أن يقال: نظرته. كما يقال: رأيته. ولما لم يصح ذلك، علمنا: أن النظر غير الرؤية.

الحجة الرابعة: يقال: نظرت إلى الهلال فلم أره. أثبت: النظر مع عدم الرؤية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت