فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 643

وأما لأنها وان كانت مساوية لهذه الأجسام العنصرية في الماهية، إلا أن الفاعل المختار صانها عن التغير والانحلال بقدرته، وجعلها باقية دائمة من أول العمر إلى آخره.

ثم عند الموت تنفصل تلك الأجزاء الجسمانية التي هي الإنسان، وتبقى على حالتها حية مدركة عاقلة فاهمة. وتتخلص اما إلى منازل السعداء. كما قال الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 169] وإما إلى منازل الأشقياء. كما قال الله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46] ثم انه تعالى يضم يوم القيامة إلى هذه الأجزاء الأصلية التي هي الإنسان في الحقيقة، أجزاء آخر زائدة كما فعل ذلك في الدنيا، ويوصل الثواب والعقاب إليه. وعلى هذا التقدير لا يبقى في المعاد الجسماني شبهة وأشكال أصلا البتة.

وعلى هذا التقدير يكون المناب والمعاب والمعاقب في القيامة، عين من كان مطيعا وعاصيا في الدنيا. وهذا على القول بأن الإنسان جسم مخصوص، سار في هذا البدن. وأما على قول من يقول: الإنسان عبارة عن جوهر مجرد عن الحجمية والمقدار، فالقول فيه أيضا هكذا. فظهر أن على هذا التلخيص، لا تبقى شبهة البتة، في صحة القول بالمعاد الجسماني.

فإن قيل: ألستم قد دللتم على أن كل ما سوى الله تعالى، فإنه يفنى ويصير معدوما. وعلى هذا التقدير، فالنفس الإنسانية أيضا تفنى وتعدم. وحينئذ يعود الأشكال.

قلنا: نحن قد أثبتنا بالدليل العقلي: أن كل ما سوى الله تعالى فإنه جائز العدم. أما أن هذا الجائز يقع، فإنا إنما عولنا فيه على ظواهر العمومات. وتخصيص العموم بالدليل جائز، وثبت بنصوص @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت