فهرس الكتاب
وثبت بمجموع ما ذكرنا: أنه صلى الله عليه وسلم ادعى الرسالة، وظهرت المعجزة على وفق دعواه.
وأما المقدمة الثالثة - وهي أن كل من كان كذلك، كان صادقا - فالذي يدل عليه:
هو أن المعجزات لما عجز الخلق عنها، كان ذلك فعلا. من أفعال الله تعالى، خلقه عقيب دعواه، وخلق المعجزة عقيب الدعوى، يسر على تصديق مدعى الرسالة.
ومثاله: انه إذا جلس الملك العظيم على سرير مملكته، فقام واحد وقال: إني رسول هذا الملك إلى أهل مملكته، ثم قال: يا أيها الملك إن كنت صادقا في هذه الدعوى، فافعل شيئا يخالف عادتك. فإذا فعل ذلك الملك في تلك الساعة فعلا يخالف عادته، علم الحاضرون بالضرورة: أنه إنما فعل ذلك لأجل تصديق ذلك المدعى. فهكذا ههنا أن محمدا عليه السلام قال: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم. ثم قال: يا إلهي إن كنت صادقا في هذه الدعوى، فاجعل القمر منشقا بنصفين، فإذا انشق القمر، علم كل واحد بالضرورة: أنه تعالى إنما شقه بنصفين لأجل تصديقه. فثبت: أن خلق المعجزة على وجه العوى تصديق من الله لذلك المدعى. وكل من صدقه الله تعالى فهو صادق.
فإن قيل: الاعتراض على هذه الدلالة من وجوه:
الاعتراض الأول: ان قول القائل: إنه ظهر على يد المدعي للرسالة فعل خارق للعادة. هذا الكلام إنما يصح لو كان انخراق العادات جائزا. ونحن نمنع هذا الجواز. والدليل على أنه ممتنع من أن تجويزه يفضي إلى السفسطة: أنا لو فتحنا هذا الباب، لم نأمن أن تنقلب الجبال ذهبا إبرازا، وأن ينقلب ماء البحر دما صرفا، وأن يكون هذا الشخص الذي نشاهده الآن شيخا صار هرما، وأن يكون قد حدث (13) في هذه الساعة @