فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 643

الحجة الأولى: قوله تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] فهذا يقتضي ان تكون الملائكة أفضل من المسيح. ألا ترى أنه يقال: ان فلانا لا يستنكف الوزير من خدمته، بل السلطان. ولا يقال: انه لا يستنكف السلطان من خدمته، بل الوزير. فلما ذكر المسيح أولا، ثم الملائكة ثانيا، علمنا: أن الملائكة أفضل من المسيح.

والاعتراض عليها من وجوه:

الأول: ان محمدا عليه السلام أفضل من المسيح. ولا يلزم من كون الملائكة أفضل من المسيح، كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الثاني: ان قوله تعالى: (( ولا الملائكة المقربون ) )صيغة لجمع، وصيغة الجمع تتناول الكل. وهذا يقتضي كون مجموع الملائكة أفضل من المسيح. فلم قلتم: انه يقتضي كون كل واحد من الملائكة أفضل من المسيح؟

والثالث: ان الواو في قوله تعالى: (( ولا الملائكة المقربون ) )حرف العطف، وهو يفيد الجمع المطلق ولا يفيد الترتيب - على ما ذكرناه في أصول الفقه - وأما المثال الذي ذكرتموه فليس بحجة. لأن الحكم الكلي لا يثبت بالمثال الجزئي، ثم انه معارض بسائر الأمثلة كقولك: (( ما أعانني على هذا الأمر، لا زيد ولا عمر ) )وهذا لا يفيد كون المتأخر في الذكر أفضل من المتقدم. ومنه قوله تعالى: {وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] ولما اختلفت الأمثلة، امتنع التعويل عليها.

ثم التحقيق في هذه المسألة: أنه إذا قيل: هذا العالم لا يستنكف الوزير من خدمته ولا السلطان. فنحن نعلم بعقولنا: أن السلطان أعظم درجة من الوزير، فعلمنا: أن الغرض من ذكر الثاني هو المبالغة. وهذه المبالغة إنما عرفناها بهذا الطريق، لا بمجرد الترتيب في الذكر. @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت