فهرس الكتاب

الصفحة 590 من 643

وههنا في هذه الآية لا يمكننا أن نعرف أن المراد من قوله تعالى: (( ولا الملائكة المقربون ) )بيان المبالغة إلا إذا عرفنا قبل ذلك أن الملائكة المقربين أفضل من المسيح. وحينئذ يتوقف صحة الدليل على صحة الدلول. وذلك دور.

الرابع: هب أن هذه الآية دالة على أن منصب الملك أعلى وأزيد، من منصب المسيح. لكنها لا تدل على أن تلك الزيادة في جميع المناصب أو في بعضها. فإنه إذا قيل هذا العالم لا يستنكف من خدمته الوزير ولا الشيطان، فهو لا يفيد إلا أن السلطان أكمل من الوزير في بعض الأشياء - وهي القدرة والسلطنة - ولا يفيد كون السلطان أزيد من الوزير في الزهد والعلم.

إذا ثبت هذا، فنحن نقول بموجبه. وذلك لأن الملك أفضل من البشر في القدرة والقوة والبطش. فإن جبريل عليه السلام قلع مدائن لوط، والبشر لا يقدرون على شيء من ذلك. فلم قلتم: ان الملك أفضل من البشر في كثرة الثواب الحاصل بسبب مزيد الخشوع والعبودية؟

وتمام التحقيق: ان الفضل المختلف فيه في هذه المسألة هو كثرة الثواب، ثم ان كثرة الثواب لا تحصل إلا بنهاية التواضع والخضوع، وكون العبد موصوفا بنهاية التواضع لله تعالى؛ لا يلائم صيرورته مستنكفا عن عبودية الله تعالى، بل ينافيها ويناقضها، فامتنع أن يكون المراد من الآية هذا المعنى. أما اتضاف الشخص بالقدرة الشديدة والقوة الكاملة، فإنه مناسب للتمرد وترك العبودية.

والنصارى لما شاهدوا من المسيح عليه السلام إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، أخرجوه بسبب هذا القدر من القدرة، عن عبودية الله تعالى. فقال تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} [النساء: 172] أي ان عيسى لن يستنكف بهذا القدر من القدرة عن عبوديتي، ولا الملائكة @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت