فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 643

البشر: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 55] وقال عليه السلام حكاية عن الله تعالى: (( أنا عند المنكسرة قلوبهم ) )وهذا أفضل لأنه قال في صفة الملائكة: إنهم عند ربهم. وقال في صفة المنكسرة قلوبهم: ان ربهم عندهم.

الحجة الثالثة: لمن قال بتفضيل الملك على البشر: عبادات الملائكة أشق، فيكون الملك أفضل. إنما قلنا: انها أشق لوجوه:

الأول: انهم آمنون من الآفات التي يكون البشر خائفا منها. مثل الغرق والحرق والقتل والمرض والحاجة والشقاوة والكفر والمعصية. وأيضا: فالسموات التي هي مساكنهم وأماكنهم، كالجنان والبساتين الطيبة، بالنسبة إلى الأرض.

وكل من كان تنعمه أكثر وخوفه أقل، كان تمرده أشد. ولهذا قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65] .

ثم ان الملائكة مع كثرة أسباب التنعم والتمرد، منذ خلقوا، بقوا مشتغلين بالعبادة خاشعين وجلين مشفقين لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات، بل بقوا مقبلين على الطاعات الشاقة موصوفين بالفزع الشديد، وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوما واحدا، فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة. ويؤكده: قصة آدم عليه السلام فإنه أطلق له في جميع مواضع الجنة بقوله تعالى: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] ومنعه من شجرة واحدة، فلم يملك نفسه، حتى وقع في الشر. وهذا يدل على أن طاعتهم أشق من طاعة البشر.

الوجه الثاني: في بيان أن طاعتهم أشق: أن انتقال المكلفين من نوع عبادة إلى نوع آخر، كالانتقال من بستان إلى بستان. أما الإقامة على نوع واحد، فإنها تورث الملالة. ولهذا السبب جعلت التصانيف @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت