حي فصانع العالم حي فثبت أنه تعالى قادر عالم حي (1) .
وأعلم أن من الملاحدة من يمنع كونه عالما بذاته، وبسائر الاشياء (2) وقالوا: العلم هو ارتسام صورة المعلوم في العالم فلو علم الباري تعالى ذاته، لارتشمت صورة ذاته في ذاته، وصورة ذاته لا تمايزة بالنوع، إذ صورة الشيء لا تخالف ذلك الشيء في الحقيقة ولا تمايزه أيضا بالعدد؛ لأن تكثر أنواع الشخص إنما يكون بلحوق لواحق غير ذاتية بالبعض دون البعض ومتى اجتمعت الصورتان في ماهية واححدة استحال اختصاص أحدهما بلاحق غريب دون الآخر فلا يكون بين الصورتين امتياز ولا يكون تكثر فيكون الاثنين قد صارا واحدا، وذلك مما بان فساده ولأنه يفضي إلى وقوع كثرة في ذاته وذلك محال (3) .
فنقول وبالله التوفيق: هذا بناء على أن إدراك المدركات لأجل ارتسام صورها في المدرك وذلك عندنا (4) محال والدليل عليه: وهو أن المدرك بمضادة السواد والبياض لا بد وأن يكون هو بعينه مدركا للسواد، إذ العلم بمضادة شيء سببا يتضمن العلم بكل واحد منهما فلو كان العلم بالشيء لأجل ارتسام صورة المعلوم في العالم لاجتمعت صورة السواد والبياض في ذات واحدة وذلك محال.
(1) إثبات صفة الحياة لمولانى - تعالى وتقدس - من الأمور الهينة وذلك لأنه إذا ثبت أنه تعالى عالم قادر فالبضرورة يثبت كونه حيا انظر: الاقتصاد: 218.
(2) يقصد الرازي بالملاحدة بعض الفلاسفة الأفلاطونية المحدثة الذين غلوا في تأكيد وحدة المبدأ الأول حتى نفوا عنه العلم بأي شيء ولو بذاته نفسها فضلا عن سائر الاشياء .. انظر الفلسفية اليونانية ليوسفكرم: 290 والاربعين في أصول الدين للرازي: 136.
(3) قارن الاربعين في أصول الدين: 154.
(4) يقصد الأشاعرة.