فإن قيل: الصورة الكلية في السواد لا تضاد الصورة الكلية في البياض ..
قلنا: بمن نعلم ضرورة أن السواد المعين يضاد البياض المعين؟ فإما أن يضاده لأنه هذا البياض، وذاك السواد، أو لأنه سواد وبياض، فإن كان لأنه هذا وذلك، فيكون ما ليس هذا وذلك لا يتضادا، فإذن السواد يضاد البياض، لكونه سوادا وبياضا، فثبت أن الصورة الكلية في أحدهما يضاد الكلية في الأخرى، فلو لم تكن الصورة المرتسمة من البياض الكلى في العقل مضادة للصورة المرتسمة من السواد، لم تكن تلك صورة البياض والسواد بل صورة شيء آخر، وعلى أنا نحكم في الخيال أن سوادا معينا يضاد بياضا معينا، فلو كان المتخيل إنما هو بارتسام صورة المتخيل في الخيال، لاجتمعت صورة سواد جزئى مع صورة بياض جزئى ةفى شيء واحد، إذ لو كان محل أحدهما غير محل الثانى، لاستحال منا نحكم بمضادة أحدهما الآخر، فقد بان أنه لا يجوز أن يكون شيء من الإدراكات إنما هو بارتسام صورة المدرك في المدرك، فإذن معنى العلم: حصول إضافة مخصوصة بين العالم والمعلوم، وذلك معنى قول المتكلم: العلم متعلق بالمعلوم، وهذا من الأسرار (1) وبعضهم (2) أوجبوا أن يكون عالما بالكليات، ومنعوا من العلم بالجوزئيات
(1) انظر المحصل: ص 102 وانظر التعليق الرائع للطوسى عليه في الهامش: نفس الصفحة.
(2) يقصد الفلاسفة خاصة ابن سينا الذى ذهب إلى أن الله تعالى يعلم ذاته وغيره، لكن علمه بالجزئيات لا يكون إلا بنحو كلى، انظر الإشارات والتنبيهات لابن سينا: 3\ 709 - 728 .. وتلك هى قضية علم الله بالجزئيات والتى أنكرها ابن سينا، ومن أجل ذلك كففره الغزالى- رحمه الله تعالى- في تهافت الفلاسفة ..
قال ابن سينا فىى النجاة: {فالمبدأ الأول يعقل ذاته، ومن ذاته يعقل الأشياء، لا من الأشياء، فلا تكون الأشياء شيئأ لكونه عقلا، بل يكون كونه عقلا في ذاته شيئأ للأشياء} انظر النجاة: ص 246 ..
فالله عز وجل- على رأى ابن سينا- يعرف الجزئيات بنحو كلي، أى عن طريق معرفة =