المقام الثانى: نقول: سلمنا أن هذا التكليف ينزل منزلة تكليفالعاجز، لكن لم لا يجوز ذلك؟ وبيانه:_
وهو أن الله تعالى كلف أبا لهب يصدق الله ورسوله بجميع ما أخبرا عنه، ومما أخبرا عنه: أن لا يؤمن أبدا، فكأنه كلف بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الإيمان وعدمه ..
واعلم أن تكليف ما لا يطاق لازم لكل أحد من العقلاء، أما لزومه على
1 ذهب الأشاعرة- رحمهم الله تعالى- إلى أن تكليف ما لا يطاق جائز، وجعلوا له صورا أربعة حاصلها:_
أ التكليف بما علم أزلا عدم وقوعه: وذلك في مثال أبى لهب حيث كلفه الله تعالى أن يصدق الله ورسوله بجميع ما أخبرا عنه، ومما أخبرا عنه: أنه لا يؤمن أبدا فكأنه كلف بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الإيمان وعدمه على حد تعبير الرازى- رحمه الله تعالى-، ويلاحظ أنه عرضها فقط في الإشارة، ويرى الرازى في معظم كتبه أن هذا تكليف بما لا يطاق لوجود علم أزلى لا يتخلف ولا يتغير بعدم إيمان أبى لهب، مع كونه ممكنا في نفسه، فلو آمن أبو لهب لانقلب ذلك العلم جهلا؛ ويعقب الرازى بقوله: {إن جملة العقلاء لو اجتمعوا وأرادوا أن يوردوا على هذا الكلام حرفا لم يقدروا، إلا بأن يلتزموا مذهب هاشم بن الحكم، وهو أن الله يعلم الأشياء بعد وقوعها} . انظر الأربعين: ص 225، نقلا عنهوامش على الاقتصاد: ص 175 - 176.
ب التكليف بالمحال لذاته: والحق أنه لا يوجد في مذهب الأشاعرة من يجيز ذلك إلا الإمام الرازى- رحمه الله تعالى، واحتج على ذلك بعدة أدلة اعتبرها من القواطع العقلية من أهمها: قضية {صدق بأنك لا تصدق} ، ويعقب أستاذنا الدكتور محمد عبد الفضيل على ذلك بقوله: {فأولئك الذين أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون هم مكلفون بالإيمان قطعا، وهذا الإيمان معتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومن ضمن ما أخبر عنهم أنه لا يؤمنون، وهذا تكليف بالجمع بين النفى والإثبات} . انظر المطالب العالية: 3\ 306، والمعالم: ص 85، والمحصل: ص 202، نقلا عن هوامش على الاقتصاد في الاعتقاد: ص 195 - 197.