فإن قالوا: العقل سبب لفيضان الإدراك على النفس فيضا كليا، إلا أن النفس إذا انتهى تحريك الفلك إلى حد، فلا يمكن أن يحدث فيه تصور موجب للحركة في حد إلا في الحد الذى يلى ما ينتهى إليه الفلك، وإذا لم تكن النفس ميتعدة إلا لذلك التصور، لا جرم فاض من العقل سبب لفيض الحركة على جرم الفلك، إلا أن الفلك إذا انتهى بحركته إلى حد، فلا يمكن أ يتحرك إلا إلى الحد الذى يليه، وإذا لم يكن الفلك مستعد إلا لذلك الجزء من الحركة، لا جرم فاض من العقل تلك الحركة دون غيرها؟ وهذا لا جواب عنه.
ومن الإلزامات المفحمة أن نقول: من مذهبهم أن ذات الفلك كاملة في جوهرها وكميتها وكيفيتها، وجميع لوازمها إلا الوضع، فإنه لا وضع للفلك إلا ويمكن أن يكون له وضع آخر، فلما تصور الفلك كمال الجوهر المفارق الذى هو العقل اشتاق إلى أن يتشبه به في إخراج جميع كمالاته اللائقة به من القوة إلى
والحق أن هذا الكلام مرفوض من الرازى، لأنه قائم على قواعد الفلاسفة التى تقصر فعل الله تعالى على إيجاد عقل أول، ومنه يتوصل إلى العقل الفعال الذى يدبر فلك القمر أو عالم الكون والفساد، كما أننا لا نرتضى من الرازى تسميته الملائكة بالعقول والنفوس الفلكة، لأنه لم يرد في الشرع مثل ذلك، اضف إلى ذلك أنه تحجيم لدور الملائكة وطبعه على شيء واحد، وأخيرا فلعل هذا الرأى-وهو ما لا نؤيده- مدسوس على الرازى- رحمه الله تعالى- أو قاله في معرض الإلزام والإفحام للخصم، ومما يؤيد ذلك أنه قد عقد فصلا كاملا فى"المطالب العالية"لإبطال القول بالموجب باذات، وأثبت بما لايدع مجالا للشك أن الله عز و جل فاعل بالقصد والاختيار.
انظر المطالب العالية:3\ 45 - 61.
1 قارن المباحث المشرقية: 2\ 440، واظر تهافت الفلاسفة للغزالى: ص 210.