الفعل، ولم يبق فيه بالقوة شيء إلا الأوضاع المختلفة، وما أمكنه أنه تحصل جميع الأوضاع دفعة واحدة، فاستبقى نوع ذلك الكمال بإخراج آحاده من القوة إلى الفعل، وبالحقيقة العرض إنما هو التشبه بالأول، لكن استتبع ذلك التشبه بتلك الحركة.
فنقول لهم: النفس قوة جسمانية؛ لأنها مدركة للجزئيات وفاعلة لها، وعندكم: أن كل إدراك جزئى فهو بآلة جسمانية، وإذا كانت قوة جسمانية، فكيف يمكنها إدراك الجواهر المفارقة؟ مع انتفاقهم على أن القوى الجسمانية ليس لها إدراك الأمور المجردة، وإذا استحال أن تدرك النفس العقل، استحال أن تشتاق إلى التشبه به، إذ من المعلوم أن الشوق إلى الشيء بعد تصوره، وهذا مما لامحيص عنه.
1 انظر المباحث المشرقية: 20\ 440 - 447، والنجاة: لابن سينا: ص 264، والهيات الشفاء: 2\ 381 وما بعدها، وكذا الإشارات والتنبيهات: 3\ 553 من مطبعة دار المعارف بتحقيق المرحوم الدكتور: سليمان دنيا.
2 الجواهر المفارقة عند الفلاسفة هى: البسيط الروحانى كاعقول والنفوس المجردة، وقد أثبتها الحكماء، وأنكرها المتكلمون. انظر مقاصد الفلاسفة: ص 150 - 151.
3 وذلك بناءأ على إثباتهم العقول المجردة التى هى جواهر شريفة غير متغيرة، ليست بجسم، ولا منطبعة فيه، وتدل عليها بواسطة عدم التناهى، وعندهم أن الحركة الدورية دائمة لانهاية لها أزلا وأبدا، ومن ثم فلابد وأن يكون لها استمداد من قوة محركة، إذ يستحيل أن يكون في الجسم قوة على ما لا نهاية له لأن كل جسم منقسم، وينقسم بتقدير انقسامه انقسام القوة، فلو توهمنا الانقسام، لكان بعض القوة لا يخلق: إما أن يحركه إلى غير نهاية، فيكون الجزء مثل الكل من غير تفاوت، وهو محال، وإما أن يحرك إلى غاية، والبعض الآخر أيضا يحركه إلى غاية فيكون المجموع متناهيا، فلذلك لا تدرك القوة الجسمانية الأمور المجردة، بل لابد من عقل كلى مجرد لا يتغير يمد القوة الجسمانية بقونه التى لا تتناهى، على ألا يكون فاعلا للحركة، بل تكون لأجله الحركة، من حيث كونه عاشقا ومعشوقا. انظر مقاصد الفلاسفة للغزارى: ص 150 - 151.