ثم إن شيخنا أبا الحسن أورد صورا حقق فيها الأمر بالشيء مع عدم إرادة المأمور به.
فمن ذلك: ان نبيا لو أخبر رجلا م أمته وقال: إن أمرت ولدك بجنس خصال واقتصرت عليها تمرد عليك ولو أمرته بعشر خصال ثم حططت عنه خمسا لأطاعك في الخمسة الباقية وعرض الأب الطاعة في الخمسة فإذا أمر ولده بالخصال العشر على قصد حط الخمسة منها، فقد تحقق ها هنا الأمر بدون الإرادة (1) .
ومن ذلك: أن سلطان الوقت لو اتهم واحدا بأنه جمع العبيد لتقاتله وقرر عبد الملك تسارع عبيد الرجل إلى موافقته في المضار والمشاق فإذا أحضر الملك الرجل وهم بقتله فقال الرجل متعذرا: إن عبيدي لا يطيعون أمري فقال الملك: مرهم عنديفإن أطاعوك تبين كذلك، وإن خالفوك قبلت قولك فإذا قال الرجل لعبيده والحالة هذه: افعلوا كذبي قط استريب انه يريد مخالفتهم مع أنه وجه الأمر نحو العبيد (2) .
فإن قالوا: ما ذكرتموه ليس بأمر وإنما هو امتحان.
قلنا: لو لم يكن أمرا تمهد عذره عند الملك ولأن العبيد قد فهموا من سيدهم الأمر بذلك فلو جاز أن يقال: إنه ليس بأمر حار مثله في كل الأوامر حتى
= الضدين ذاتية.
(1) قارن: نهاية الإقدام للشهر ستاني: 258 ومن ذلك القبيل تخفيف الصلاة عن المسلمين ليلة الإسراء والمعراج من خمسين صلاة إلى خمس صلوات كما هو معلوم.
(2) قارن: الإرشاد لإمام الحرمين: 244 - 235.