قطعا بل ربما يصدق وربما يكذب (1) يحققه: وهو أنا إذا عرضنا على الشخص المفروض أمرين أحدهما: أن الواحد أقل من الاثنين والآخر: أن الكذب قبيح فلا شك في أنه يقطع بالأول ويتردد في الثاني (2) فعلم هذه القضية ليست بديهية (3) بل هي من المستحسنات المشهورة (4) .
وأما ما احتجوا به من قولهم: إن الملك يميل طبعه إلى إتقاذه الضعيف مع
(1) قارن المطالب العالية: 213/ 3.
(2) قار نهاية الإقدام للشهرستاني: 371 - 372.
ويعلق الشهرستاني على قول المعتزلة:"ومن حكم بأن الأمرين سيان بالنسبة إلى عقله خرج عن قضايا العقول وعاند عناد الفضول".
(3) البديهي هو: لغة: البدايات أو الأوائل فالبدء والبداهة والديهية هبي أول مل شيء والقضايا البديهية هي: قضايا أولية صادقة بذتها يجزم بها العقل من دون برهان ومثال ذلك: الكل أعظم من الجزء والأجزاء المساوية لشيء واحد متساوية انظر كشاف اصطلاحات الفنون: 318/ 1 - 319.
(4) عرف ابن سينا المشهورات - ويسميها الذائعات - بقوله:"وأما الذئعات فهي مقدمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إما شهادة الكل: مثل: أن العدل جميل وإما شهادة العلماء أو شهادة أكثرهم أو الأفاضل منهم فيما لا يخالف فيه الجمهور"انظر: النجاة: 63.
ويحدد الغزالي - رحمه الله تعالى - عمل المشهورات بأنها تصلح للفقهيات دون اليقينيات مثل حكمنا بحسن إفشاء السلام، وإطعام الطعام وصلة الأرحام وملازمة الصدق في الكلام ومراعاة العدل في القضايا والأحكام، وحكمنا بقبح إيذاء الإنسان وقتل الحيوان ووضع البهتان ورضاء الأزواج بفجور النسوان ومقابلة النعمة بالكفران والطغيان.
وهذه قضايا لو خلي الإنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه، لما قضى الذهن به قضاء بمجرد العقل والحس، ولكن إنما قضى بها لأسباب عارضة أكدت في النفس هذه القضايا وأثبتتها مثل: رقة القلب وغير ذلك. انظر: معيار العلم: 184 وما بعدها.