أنه لا يتوقع منه الحمد والثواب فالجواب عنه:
أن هاهنا غرضين آخرين:
أحدهما: أن الملك يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره قادرا على إنقاذه مع ذلك لا ينقذه فيحكم حينئذ بقبحه لأنه يخالف غرضه لما قد ذكرنا أن الإنسان يقبح ما لا يوافقه فمن شدة ما استقبح ذلك في حق نفسه يتقرر عنده أنه قبيح في المواضع كلها وهذه في الرقة الجنسية فلهذا يرغب في إتقاذه (1) .
الثاني: وهو أن الملك لما رأي لإنقاذ في أكثر المواضع مقرونا بالثناء ظن أن الثناء أبدا مقرونا بالإنقاذ وهذا وإن كان وهما كاذبا إلا أن له تأثيرا عظيما في النفس كما أن فيمن نهشته الحية فإنه ينفر طبعه عن الحبل المبرقش اللون (2) رأه مقرونا بالأذى ظن أن لأذى مقرون به دائما فكذلك هاهنا (3) .
وأما ما ألزمونا من صحة الأمر بالكفر بالله فذلك إنما لا يجوز لا لقبحه بل لتناقضه لأنه لا يعلم أنه مأمور منجته بأن يجهل به، إلا إذا علمه وإذا علمه فلا يكون جاهلا به (4) .
وأما من جوز تكليف ما لا يطاق فكل ذلك عنده جائز (5) وأما ما عدا ذلك
(1) قارن المطالب العالية: 218:3 وأبكار الأفكار للآمدي: 138/ 2 وشرح المقاصد: 214/ 3.
(2) قارن الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي: 83 وهي نفس عبارات الرازي هنا، مما يدل على شدة تأثر الرازي بحجة الإسلام - رحمهما الل تعالى -.
(3) قارن الاقتصاد: نفس الصفحة.
(4) قارن الأربعين في أصول الدين: 238 - 239 وشرح المقاصد: 215/ 3.
(5) انظر: 109 وما بعدها حيث اعتبر الرازي أن تكليف ما لا يطاق لازم لكل أحد من العقلاء.