الملك بمثابة إنذار واحد من الناس ثم الإنذار من الواحد لا يحمل العاقل على النر باتفاق منهم مع أن ذلك مألوف في طباع أه الفساد والغفلة فالذي ادعوه كيف يقع به الاكتفاء؟ فهذا ضرب من الكلام لا يثبت معه لهم كلام.
ثم لئن سلمنا بأن هذه الخواطر لابد وأن تعترض له، ولكن ليس منها ما يقتضي وجوب الشكر من وجوه:
الأول: وهو أن العاقل إذا خطرت له الخواطر التي أدعيتموها فإنه لا يقطع باستحقاق العقاب لو ترك الشكر، واستيجاب الثواب لو شكر بل يتعارض عنده الاحتمالان ومن لم يقطع بعقاب بلحقه وهو من الحال في أطيب عيش، فلا يقضي العقل باختيار المتاعب والإضراب عن الذات لمنفعة موهومة في الأجل ألا ترى أن العقلاء يقتحمون البحار والأهوال العظيمة التي يستيقنوها لغرض التجارة فإذا جاز ركوب الأمواج وتحكيم رياح في أرواح لابتغاء متاجر وأرباح ومظنون من نجاح مع أن الذي يبغونه بالإضافة إلى ما يوهبونه نزر يسير فكذلك هاهنا من عرضت له الخواطر التي ذكروها فله أن يقول: إن الذي اعترض يجوز والراحة واللذة حاصلة فالعقل يقضي باختيار اللذة الحاصلة على المهومة (1) .
الثاني: وهو أن العبد كما يخطر له ما تقولون فقد يخطر له: أنني عبد والمنعم علي مستغن وكنت ملكا له من غير أذاي ولا منفتى وهذا ظاهر (2) .
الثالث: وهو أن النعمة إذا كانت حقيرة بالإضافة إلى المنعم فقد يقضي العقل والحالة هذه بالإضطراب عن الشكر كما أن الملك المستولى على أقطار الأرض لو أنفق على فقير كسرة خبز يابس فالفقير لو تعرض لذكره والثناء على
(1) قارن الاقتصاد في الاعتقاد: 93.
(2) قارن الإرشاد: 69 وهي تقريبا نفس عبارات الرازي هنا.